/ صفحه 88/
طالبهم بها دينهم، وأصبحوا أقل الأمم شأنا في علوم هذه القوة وفنونها، وصاروا عالة على غيرهم فيما يحتاجونه من أسلحتها وعددها، ووقف تقديسهم لكتاب ربهم وحبهم لنبيهم، عند مظاهر التقديس القولي والحب التقليدي،وظنوا أن هذا التقديس القولي الذي لا يخالط شفاف القلوب، يحقق لهم النصر الذي وعد الله به المؤمنين، وأن هذا الحب الذي يجري بينهم في المواسم والمناسبات مجرى العادة والتقليد، يكفي لدخولهم في عداد المحبين الصادقين، وغاب عنهم أن التقديس العملي الذي يزكي النفوس، ويصلح الأعمال، وأن التعبير الصحيح عن الحب الذي يجري مجرى العقيدة واليقين، إنما هو طاعة المحبوب في أمره ونهيه، ومتابعته في سلوكه وهديه، والاقتداء به في أخلاقه وشمائله.
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
وأما التشريع الاسلامي: فانما سعد به المسلمون الأولون، لأنهم أحلوه من قلوبهم محل المبدأ والعقيدة، وأحسنوا فهم مقاصده وأهدافه، ونشروه في مجتمعاتهم بالقول والعمل، ودافعوا عن قدسيته بالسيف والقلم، وحاطوا سلطانه بالقلوب والمهج، وجعلوه حكما في أعمالهم وسلوكهم، فكان لهم رائدا أمينا، وقائدا حكيما.
ولكن المسلمين في عصورهم الأخيرة هجروا هذا التشريع الإلهي هجراً غير جميل، حتى أقفرت منه صدورهم وأخلاقهم وأعمالهم، وإن كان موجوداً على صفحات الكتب، وفي بعض الأفواه والألسنة، غير أن هذا الوجود لا يكفي لإمدادهم بالقوة التي أمد بها المسلمين الأولين، فإن القوة التشريعية التي ترفع شأن الأمة، وتبني المجتمعات الصالحة، لا تستمد من عظمة التشريع ووجوده مسطوراً في بطون الكتب فحسب، وإنما تستمد من معرفته، وفهم مقاصده، والعمل بتعاليمه ومبادئه.
وإنا لا ندري سبباً معقولا لهذا الاعراض والهجران، ولا ندري ماذا يقولون حينما يسألون عن هذا السبب المجهول.
أيقولون إن نصوصه ومصادره تعاصت على عقولهم وأفهامهم، وإذا تعاصت على عامتهم فكيف تعاصت على خاصتهم من الباحثين والدارسين، وكيف تعاصت
