/ صفحه 87/
العلوم والفنون، وفتحوا لعقولهم أوسع مجالات البحث والنظر، وسبحوا بأنظارهم وأفكارهم في جوانب الأرض والسماء، واتخذوا من رياض العلوم مسارح لعقولهم وأفهامهم، يقتطفون من ثمارها ما يشتهون، ويرتشفون من ينابيعها ما يشاءون، ويبلعون من الانتفاع بها في دينهم ودنياهم ما يريدون، وبهذه الجهود الجبارة المنطلقة المتحررة، استطاعوا أن يكونوا أسبق الأمم المعاصرة في ميادين العلوم والفنون، وأن يقيموا دولة إسلامية رفعت علمها خفاقاً فوق ممالك الشرق والغرب، وتسملت زمام القيادة العالمية للحياة الفكرية والاجتماعية والسياسية، إن قالت قولا تفتحت آذان الدنيا لقولها، وإن أمرت أمراً خضعت أعناق الملوك لأمرها، وإن شهرت سيوف الحق تداعت أمام سيوفها معاقل الظلم والطغيان.
هكذا كان تقديس المسلمين الأولين لكتاب ربهم، وتعاليم دينهم، وهكذا كان أثر هذا التقديس في بناء أمتهم ومجدهم، وإقامة دولتهم التي كانت أقوى دولة حربية في العالم.
ولكن المسلمين في عصورهم الأخيرة جهلوا أو تجاهلوا تاريخ سلفهم، وعميت عليهم أسباب عزهم ومجدهم، وخفى عليهم أن علم سلفهم بكتاب ربهم، وتعاليم دينهم، هو الذي كان سبب بعثهم، وأساس قوتهم، وعظمة سلطانهم، وأنهم ما نجحوا في إقامة دولة قوية عزيزة الجانب مرهوبة السلطان، ولا بسطوا حكمهم العادل في الشرق والغرب، إلا بقوة عقائدهم، وكمال أخلاقهم، وصلاح أعمالهم، وإقبالهم على تعاليم دينهم يتفهمونها ويتعرفون مقاصدها، ودأبهم على السعي والكفاح والعمل، وسيرهم على مقتضى السنن التي ربط الله بها القوة والسيادة، جهلوا أو تجاهلوا كل هذا، حتى ظنوا أن مجرد انتسابهم إلى الإسلام يحقق لهم ما كان لسلفهم من دولة وسلطان، وإن كانوا خارجين على توجيهاته وتعاليمه، فنامت أعينهم وعقولهم عن النظر والفكر، وضعفت عزائمهم عن الجهاد والعمل، وقصرت هممه عن السياق بل عن المتابعة، وقنعوا من الحياة بما يحفظ عليهم وجودهم كأفراد وجماعات، لا كأمة لها دولة وسلطان، ورضوا بالعيش على هامش الحياة، وإن كان في ظلال المهانة والاستعباد، وأهملوا في إعداد القوة الحربية التي
