/ صفحه 86 /
أعيانها وحددت مواطنها، ولا مطمع في رد الضال إلى طريق الهدى إلا إذا عرف أنه يضرب في بيداء التيه والضلال، وليس عيبا ان نتعرف عيوبنا وأمراضنا ونعترف بها، لنعمل على علاج أنفسنا وتطهير مجتمعنا منها، ونقضي على أسبابها وعللها، وإنما العيب أن نغش أنفسنا بكتمانها عنها، وندلس عليها ببراءتنا منها، وندع جراثيمها ترعى في شراييننا وتفتك بالبقية الباقية من حيويتنا.
وعلى هذا الأساس نقول في غير تحفظ ولا تحرج: إن الجواب على هذا السؤال الذي يتردد في نفس كل باحث، هو أن سبب هذا الضعف الذي عرض للمسلمين في عصورهم الأخيرة، هو أنهم انحرفوا عن هذه العوامل التي كانت عماد قوتهم وعزهم في الماضي، وأصبح وجودها بينهم وجوداً صورياً، وغاب عنهم أن الوجود الصوري لا يجدي المتعلقين به نفعا، ولا يبني لهم عزا ولا مجداً، بل أحالوا إلى عوامل للضعف والتراجع بعد أن كانت عوامل للقوة والبناء، كما يتجلى ذلك فيما نذكره من مواقفهم من هذه العوالم التي أشار لها السائل في سؤاله.
أما كثرة المسلمين اليوم وإن كانت أضعاف كثرتهم في الماضي، إلا أن انحرافهم عن تعاليم دينهم، وتنازعهم على الملك والسلطان، وتقصيرهم في دفع أسباب الشر عن أوطانهم، واتخاذهم للبطانات والأولياء من غيرهم، كل ذلك جعل هذه الكثرة غثاء كغثاء السيل، لا ترهب عدوا، ولا تحمي وطنا، ولا ترد عدوانا، ولا تدفع ظلما، كما يشير إلى ذلك قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " توشك الأمم أن تتداعى لمقاتلتكم وكسر شوكتكم، وسلب ما ملكتموه الديار والأموال، كما تتداعى الأكلة على قصعتها، فقال قائل: أمِنْ قلة يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن ".
ذلك أن المسلمين الأولين عرفوا من تعاليم دينهم أنهم مطالبون بأن يكونوا أقوياء في دينهم ودنياهم، أعزة في مجتمعاتهم وأوطانهم، وفهموا من توجيه القرآن لعقولهم إلى ما في الكون من آيات الله وسننه وأسرار عوالمه، أن هذه القوة التي طالبهم الله بها، لا تتاح لهم إلا عن طريق العلم والعمل، فوجهوا جهودهم إلى ميادين
