/ صفحه 83/
ومضى السائل في تأييد اعتراضه قائلا: إن الفرق الوحيد الذي يمكن التماسه بين النقد المدفوع قرضا، والسلعة المؤجرة، هو أن النقد لا يمكن الانتفاع به إلا بتحويل جوهري في حقيقته، عن طريق مبادلته بأشياء أخرى. بينما الأعيان المؤجرة يمكن الانتفاع بها مع بقاء أعيانها، وهو فرق سطحي لا يؤثر في موضوعنا، وكل ما يترتب عليه هو الاختلاف في الشكل والصورة التي يكون عليها الحق المردود: وهو إما السلعة نفسها " في حال الإجارة " وإما مثلها " في حال القرض ".
هذا هو الإشكال.
وقد كان جوابنا عنه أن الوضع القانوني للمستأجر يختلف اختلافا جوهريا عن الوضع القانوني للمقترض. ذلك أن المستأجر ليس مسئولا عن تلف السلعة المؤجرة ولا عن هلاكها، إلا إذا تسبب في ذلك. بينما يتحمل المقترض مسئوليته المدنية كاملة، حتى في حال الإصابة بحادث خارج عن إرادته: بفعل الغير، أو بفعل القضاء والقدر. ومن الواضح أن هذا الاختلاف في الآثار لا ينم عن اختلاف في الشكل أو في الصياغة القانونية فحسب، بل يدل على اختلاف طبيعة العقدين، اختلافا يحول دون خضوعهما لقانون واحد، بحيث يحق لنا أن نتساءل: هل مطالبة المقترض في هذه الحالة بدفع ربح للمقرض، مع مطالبته برد المثل إليه، بينما لا نطالب المستأجر إلا بدفع الاجرة، يعد تصرفا مستمدا من روح العدالة والمساواة؟ إن المسألة لأعظم من أن تكون مجرد تحميل مسئوليات متعددة في جانب، ومسئولية واحدة في الجانب الآخر، بل إن مسئوليات متعددة في جانب الأول تعد في نظرنا مسئوليات متعارضة، يناقض بعضها بعضا، ذلك أنني " أيها المقترض " إذا التزمت بعوض لانتفاعي بالمال كان معنى هذا أنني لست له مالكا، وإنما أنا مجرد واضع يد، كأمين؛ لكني إذا وجب علي رد بدله مهما تكن الظروف والأحوال كان معنى هذا، من جهة، أن المقرض ليس مالكا لهذا المال بل لبدله الذي أنا مدين له به، ومن جهة أخرى أني أصبحت مالكه الوحيد، وإذاًَ فلست ملزماً بتعويض منافعه لأحد من الناس، إذ كان حق الملكية يستتبع بالضرورة كل آثاره القانونية، أمام هذه القضية المنفصلة يجب ألبتة اختيار أحد الطرفين، ولا يمكن الأخذ بهما