/ صفحه 84/
معاً: فلما كان عقد الاجارة واقعاً على حق الانتفاع كان التزام المستأجر بالأجرة لا بالسلعة نفسها، وإذا كان عقد القرض واقعا على المال كان التزام المقترض بالبدل لا بالربح. هكذا يجب أن يأخذ كل وضع نتائجه الخاصة به، دون خلط ولا لبس، ولعلنا لا حاجة بنا إلى بيان أن ما قد يلزم به المستأجر من تعويض العين المستأجر في حالة التسبب في هلاكها أو تلفها بالقصد أو بالاهمال، ليس أثراً من آثار عقد الإجارة نفسه، ذلك العقد الذي لا صلة له إلا بمنفعة ومقابلها، وإنما هو تطبيق للقاعدة العامة التي تلزم كل متعد بتعويض الضرر الذي تسبب فيه.
والآن وقد بينا أن عقد القرض عقد قائم بذاته، يختلف اختلافاً كلياً عن عقد الإيجار، كما يختلف عن عقد البيع، نجيب عن سؤال آخر وجه الينا غير متقيد بالاصطلاحات الفقهية.
قال السائل:
إننا نتقبل بكل ارتياح أن طبيعة عقد القرض تختلف تماما عن طبائع العقود الأخرى في سائر أبواب الفقه، فافرضوه بابا مستقلا، ولكنا لا نفهم كيف يستسيغون أن يوضع رأس المال تحت تصرف المقترض لمصلحته هو في مدة من الزمن، وأن يحرم منه المقرض في هذه المدة، دون أن يكون له أدنى تعويض عن هذا الحرمان.
قلنا: إن لنا على هذا السؤال جوابين:
فأما قبل كل شئ فإن قانون الأخلاق الذي يسيطر على علاقتنا الإنسانية يقتضينا أن نترك ـ من وراء معاملاتنا النفعية ـ جانباً آخر لنوع من التعاون المنزه عن الأغراض العاجلة، والذي لا يراد به إلا وجه الله عزوجل.
وأما بعد، فإنه إذا تمسك السائل بأن يجد تعويضا ماديا في عملية القرض، فإننا نوجه نظره إلى أن هذا التعويض حاصل بالفعل، وأن عقد القرض نفسه يتضمنه، ذلك أن فيه نوعا فريدا في بابه من التأمين على المال: تأمين مجاني، شامل لكل الجوائح المحتملة، حيث إن المقترض مطالب حتما، ودون قيد ولا استثناء، برد بدل ما اقترضه. وهذا ضمان ما كان ليتيسر مجانا لصاحب المال لو كان المال باقيا في قبضته.