/ صفحه 81 /
يهلك أو يتلف على ملكه، فإذا أصررنا على إشراك المقرض في الربح الناشئ وجب علينا في الوقت نفسه أن نشركه في الخسارة النازلة؛ إذ كل حق يقابله واجب، أو كما نقول الحكمة والنبوة: " الخراج بالضمان " أما أن نجعل الميزان يتحرك من جانب واحد فذلك معاندة للطبيعة... ومتى قبلنا اشتراك رب المال في الربح والخسر معا انتقلت المسألة من موضوع القرض إلى صورة معاملة أخرى، وهي الشركة التضامنية الحقيقية بين رأس المال والعمل، وهذه الشركة لم يغفلها القانون الاسلامي، بل أساغها ونظمها تحت عنوان " المضاربة " أو " القراض " غير أنه لكي يقبل رب المال الخضوع لهذا النوع من التعامل يجب أن يكون لديه من الشجاعة الأدبية ما يواجه به المستقبل في كل احتمالاته. وهذه فضيلة لا يملكها المرابون ؛ لأنهم يريدون ربحاً بغير مخاطرة؛ وذلك هو ما يسمى تحريف قواعد الحياة، ومحاولة تبديل نظمها.
هكذا إذا سرنا وفقا للاصول والمبادئ الاقتصادية في أدق حدودها كانت لنا الخيرة بين نظامين اثنين لا ثالث لهما: فاما نظام يتضامن فيه رب المال والعامل في الربح والخسر؛ وإما نظام لا يشترك فيه معه في ربح ولا خسر. ولا ثالث لهما إلا أن يكون تلفيقا من الجور والمحاباة.
هذه ـ فيما أرى ـ هي الأسس الأدبية والاجتماعية والاقتصادية التي قامت عليها وجهة نظر الإسلام في قضية الربا.
وأما المسألة الثانية وهي حكم الربا في وقتنا هذا فإنها ليست قضية " مبدأ " وإنما هي قضية " تطبيق " وإني أخشى أن أطيل فيها فأعتدى على موضوع زميلي وصديقي الدكتور الدواليبي رئيس مجلس النواب السوري، وهي فوق ذلك ليست فيما أرى من الشئون التي يقضى فيها فرد أو بضعة أفراد، بل ينبغي أن يتداعي لها طوائف من الخبراء في القانون والسياسة والاقتصاد من كل جانب وأن يدرسوها دراسة دقيقة مستفيضة من جميع نواحيها الحاضرة والمستقبلة.
وكل ما أريد أن أقوله الآن يتلخص في جملتين صغيرتين، أرجو أن يتخذا أساساً للبحث في التفاصيل.
