/ صفحه 78/
أما مسألة معقولية النهي أو عدم معقوليته، فانها قد أثيرت في عهد النبوة على لسان العرب أنفسهم، فقد استنكروا هذه التفرقة بين البيع والربا قائلين: إذا أنتم منعتم ربح القرض، فامنعوا كذلك كل ربح يجتلب من طريق البيع، إذ هما سواء.
وكان رد القرآن على ذلك بتلك الكلمة الحاسمة، التي لا تقبل مراء ولا جدالا: كلا، ليس البيع مثل الربا؛ فقد " أحل الله البيع وحرم الربا " (2 / 275) على أنه لا يمكن أن يفهم من هذا الأسلوب ان امر التشريع هنا يصدر عن إرادة جبروتية تقضى أحكامها تحكما وتعنتا ؛ فقد علمنا القرآن في غير موضع أن الأوامر الإلهية أنزه شئ عن هذا الحرج والعنت: " قل إنما حرم ربي الفواحش " (7/33) " قل احل لكم الطيبات " (5/4) " ما يرد الله ليجعل عليكم من حرج، ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون " (5/ 6).
يجب إذن أن تكون لهذا النهي دعائم قوية واسباب معقولة تجعله في محزه من الصواب والحكمة. فما تلك الدعائم؟
1 ـ الدعامة الأخلاقية:
أو ما يكشف الباحث من أسرار التشريع في هذا الباب هو بواعثه الادبية الخلقية.
إن الضمير الانساني ليدرك بنوع من الحدس المباشر مدى الفرق بين الربح من طريق المعاملة " البيع " والربح من طريق المجاملة " القرض ". إنه ليدرك ذلك ويحسه حتى في الوقت الذي لا يستطيع فيه التعبير عن هذا الفرق. فإن لم ندركه في آن ما، فإنما هي غشاوة الهوى وحب الأثرة، أو الغفلة وعدم التدبر، هي التي تخفيه عن أعيننا، على أن الأمر يبلغ من الوضوح حداً تحسه كل الضمائر والوجدانات في عملية " الاعارة " (للأشياء التي ترد بأنفسها إلى معيرها).
أليس كل واحد منا يستنكف حقيقة من أن يطالب بتعويض مالي عن ماعون يعيره لمن يحتاج إليه، أو عن مساعدة أدبية كائنة ما كانت يقدمها لغيره، عملا بقواعد حسن الجوار وأدب الاجتماع؟ فلماذا يخلتف النظر في الأمر حينما تكون المعاونة على وجه " القرض " (للأشياء التي يمكن أن ترد بمثلها)؟ مع أن الشأن في الحالين
