/ صفحه 77/
التبادل بين نقدين من نوع واحد مع اختلافهما في الأوصاف؛ بل الاعتماد في النقدين على تساوي العوضين وزنا (بدون اعتبار لجمال الضرب أو جدته أو عدد قطعه أو غير ذلك) هو الحل العادل، أو هو أعدل الحلول؛ إذ لو اعتبرت هذه الصفات ونحوها في النقود مبررة لزيادة قيمتها في المبادلة، إذاًً لأصبحت النقود نفسها بضاعة، وصارت معرضا للمضاربة وتقلب الأسواق، وعادت محتاجة إلى معيار آخر لتقدير قيمتها، بدل أن تكون هي المعيار لغيرها.
ولكي نلخص فكرتنا عن القواعد التي وضعها التشريع النبوي في باب التبادل والتقايض، نقول: إن هذه القواعد تهدف إلى غرض مزدوج:
فهي من أحدى الجهتين تريد أن تحمي النقود والأطمعة، وهما أهم حاجات الجماعة وأعظم مقومات حياتها، وذلك بمنع وسائل احتكارهما أو إخفائهما من الأسواق، أو تعريضهما للتقلبات الثمنية المفاجئة.
وهي من الجهة الأخرى تحرص على حماية الفقراء والأغرار من طرق الغبن والاستغلال التي يتبعها بعض التجار الجشعين.
وواضح أن تسمية الربح المجتلب من طريق هذا التبادل الذي تنقص الصراحة والامانة باسم " الربا " إنما هي تسمية مجازية قصد منها إلى إبراز ما فيه من مخالفة لقانون الأخلاق، ومجافاة لقواعد الرحمة الإنسانية. وذلك بتشبيهه بالربا الحقيقي الذي هو مثل في السحت وأكل المال بالباطل.
ـ 3 ـ
وجاهة التشريع القرآني
من النواحي الثلاث: الأخلاقية، والاجتماعية، والاقتصادية
ونعود الآن إلى موضوعنا الأصلي، وهو الربا الحقيقي، لنعالج فيه الجواب عن سؤالين مهمين:
" أحدهما ": ما هي الأسباب المعقولة لهذا التحريم الصارم للمعاملة الربوية؟.
" الثاني ": هل الحياة الاقتصادية في حالتها الحاضرة تعد ظرفا استثنائيا يترخص فيه بمخالفة هذا القانون؟.