/ صفحه 76/
ونحن إذا تأملنا في هذا الوضع نجده ينطوي على حكمة عميقة ويقوم على مبدأ سليم من مبادئ التشريعين المدني والاقتصادي. ذلك أنه حيث يكون هناك كميتان متساويتان من نوع واحد، ولكن إحداهما تمتاز بجودة أوصافها، لا يكون هناك مجال للتردد: أي المتبايعين أوفر حظا؟ فالذي يقبل الصنف الاقل جودة يقبله بملء حريته عن سماحة نفس وكرم طبع، وهو عالم بما يفعل. وليس الأمر كذلك في الحال التي تكون فيها الجودة من ناحية يقابلها وفرة في الكم من الناحية الأخرى؛ إذ نرىها هنا تقابلا بين أمرين ليس بين طبيعتيهما مقياس مشترك ثابت صالح لتقويم كل منهما بالنسبة إلى هذا الحد المشترك، ثم بالنسبة إلى الطرف القابل والواقع أنه في هذا النوع من التبادل يلجأ كل من المتعاملين في نفسه إلى فكرة غامضة، وهي إرادة التضحية بما هو أدنى في سبيل ما هو خير منه. وهكذا يصبح قبولهما الظاهري للصفقة قبولا زائفا، وقد ينكشف عن خيبة أمل، ولا مخرج من هذا اللبس إلا بالرجوع إلى القيمة الثمنية لكل بضاعة على حدة، ثم إلى المقارنة بينهما على ضوء هذا المقياس الثابت. وهذا (الرجوع إلى المقياس الثابت) هو المعنى الذي قصد التشريع الاسلامي إبرازه حتى يكون كل من طرفي العقد على بينة في معاملته المالية، وحتى يجتنبا التدليس ويتطهرا من السحت المأخوذ بالحيلة والمكر.
فإذا صح ما ذهبنا إليه في تفهم مقاصد الشريعة من هذا الحكم لم يبق هناك حرج قط ـ كما أوضحه ابن القيم(1) في أعلام الموقعين ج 2 ص 273 ـ في أن تباع المصوغات الذهبية بأكثر من وزنها ذهبا، أو المصوغات الفضية بأكثر من وزنها فضة، ذلك لأن قيمة الصنعة قد قدرت هنا بمعيارها الواضح المحدد، الذي لا يدع مجالا لتزييف تراضي المتبايعين.
على ان هذه الرخصة في المبادلة بين الصياغة والنقد لا ينبغي أن تسري على
*(هوامش)*
(1) سلفة في هذه الفتوى معاوية بن أبي سفيان، ويخالفه فيها عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبو الدرداء، راجع الموطأ في كتاب البيوع، باب بيع الذهب والفضة، ويرى ابن القيم أن هذا الاختلاف انما هو الصياغة المحرمة كصياغة الاتية، وعلى هذا تكون الصياغة المباحة محل اتفاق على جواز الفضل فيها نقداً.
