/ صفحه 75/
هكذا كلما كان البدلان من طبيعتين مختلفتين تمام الاختلاف، بحيث لا توجد شبهة القصد إلى القرض بفائدة، فإن الشريعة لا تضع أمام حرية التبادل حداً من الحدود، اللهم إلا المبدأ العام في المعاملة، وهو تحري الصدق والامانة. فإذا ما أخذت طبيعة البدلين تتقارب، بدون أن تتحد، نرى عند المشرع شيئاً من الحذر المعقول، المبني على احتمال أن يكون المتعاملان يقصدان إلى معاملة ربوية؛ ولذلك نجده مع ترخيصه لهما بتفاوت البدلين في الكم يحظر عليها تأجيل أحد العوضين، سدا للطريق أمام فكرة القرض المحرم تحت ستار البيع. أما إذا اتحدت طبيعة البدلين (مع التفاوت في الأوصاف والقيم طبعا، والا لما كان هناك معنى للتبادل) فانه من السهل أن نفهم الحكمة التي من أجلها منع تأجيل البدل، وذلك أن من شأن هذا التأجيل أن يحمل في طيه فكرة محظورة، وأن يكون القصد هو القرض باسم البيع.
ولكن الذي يصعب فهمه هنا هو إلزام المتبادلين في حال الدفع على الفور بأن تتساوي الكميتان المتبادلتان بينهما. فهل معنى ذلك أن الشريعة تتجاهل إلى هذا الحد فروق الكيفيات التي في كل من العوضين؟.
إن الجواب على هذا السؤال نجد مفتاحه في الحديث الذي رواه مسلم في جامعة الصحيح. يروي لنا هذا الإمام أن رجلا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بشئ من التمر. فقال له النبي: " ما هذا من تمرنا " فقال الرجل: يا رسول الله بعنا تمرنا: صاعين بصاع. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: " ذلك الربا. ردوه، ثم بيعوا تمرنا. ثم اشتروا لنا من هذا ".
ها هنا نلمح الهدف الذي ترمي إليه القاعدة، ونطمئن إلى انه ليس من شأنها أن تفرض على المتبادلين ـ اعتباطا أو تعنتا ـ تساوي الكمية بين صنفين مختلفين من نوع واحد، بل إنها على العكس من ذلك فتحت لهما باب الاختيار بين أمرين يمتنع معهما كل قهر وإلزام ؛ حيث خيرتهما بين أن يتغاضيا عن الفروق الطفيفة التي بين الصنفين، أو أن يلجآ في تقدير تلك الفروق إلى حكم القيمة النقدية.