/ صفحه 72/
المعقول حيث جعلت التشريع الاسلامي بعد أن تقدم إلى نهاية الطريق في إتمام مكارم الأخلاق يرجع على أعقابه ويتدلى إلى وضع غير كريم؛ بل إنها قلبت الوضع التاريخي، إذ اعتبرت النص الثالث مرحلة نهائية، بينما هو لم يكن إلا خطوة انتقالية في التشريع: لم يختلف في ذلك محدث ولا مفسر ولا فقيه.
على أننا لو فرضنا المحال ووقفنا معهم عند هذا النص الثالث، فهل نجد فيه ربحاً لقضيتهم في التفرقة بين الربا الذي يقل عن رأس المال، والربا الذي يزيد عليه، أو يساويه؟.
كلا، فإنه قبل كل شئ لا دليل في الآية على أن كلمة الأضعاف شرط لابد منه في التحريم، إذ من الجائز أن يكون ذلك عناية بذم نوع من الربا الفاحش الذي بلغ مبلغاً فاضحا في الشذوذ عن المعاملات الإنسانية، من غير قصد إلى تسويغ الاحوال المسكوت عنها التي تقل عنه في هذا الشذوذ. ومن جهة أخرى فإن قواعد العربية تجعل كلمة " أضعافا " في الآية وصفا للربا لا لرأس المال، كما قد يفهم من تفسير هؤلاء الباحثين. ولو كان الأمر كما زعموا لكان القرآن لا يحرم من الربا إلا ما بلغ 600 % (1) من رأس المال. بينما لو طبقنا القاعدة العربية على وجهها لتغير المعنى تاماً، بحيث لو افترضنا ربحا قدره واحد في الألف أو المليون لصار بذلك عملا محظورا غير مشروع بمقتضى النص الذي يتمسكون به.
أما القول بأن العرب قبل الإسلام لم يكونوا يعرفون إلا الربا الفاحش الذي يساوي رأس المال أو يزيد عليه فإنه لايصح إلا إذا اغمضنا أعيننا عما لا يحصى من الشواهد التي نقلها أقدم المفسرين وأجدرهم بالثقة. ولقد كان الشعب العبراني ـ الذي يعيش والشعب العربي في صلة دائمة منذ القدم ـ يفهم من كلمة الربا كل زيادة

*(هوامش)*
(1) ذلك لأن الربا الذي يكون أضعاف رأس المال " بصيغة الجمع " لابد أن يصل إلى ثلاثة أمثال رأس المال فإذا ضوعفت هذه الأضعاف الثلاثة كان ستة أمثاله، وذلك ما لم نره في معاملة أجشع المرابين، ولم نسمع به في تشريع سابق ولا لاحق، فيكون القرآن على رأيهم متخلفا عن جميع القوانين في هذا الشأن.