/ صفحه 71/
الذين حرم عليهم الربا فأكلوه وعاقبهم الله بمعصيتهم، وواضح أن هذه العبرة لا تقع موقعها إلا إذا كان من ورائها ضرب من تحريم الربا على المسلمين، ولكنه حتى الآن تحريم بالتلويح والتعريض لا بالنص الصريح، ومهما يكن من أمر فان هذا الاسلوب كان من شأنه أن يدع المسلمين في موقف ترقب وانتظار لنهي يوجه إليهم قصداً في هذا الشأن ؛ نظير ما وقع بعد المرحلة الثانية في الخمر (2/29) حيث استشرفت النفوس إذ ذاك إلى ورود نهى صريح فيه؛ وقد جاء هذا النهي بالفعل في المرحلة الثالثة ولكنه لم يكن إلا نهيا جزئيا: في أوقات الصلوات (4/43) وكذلك لم يجئ النهي الصريح عن الربا إلا في المرتبة الثالثة، وكذلك لم يكن إلا نهيا جزئيا، عن الربا الفاحش: الربا الذي يتزايد حتى تصير " أضعافا مضاعفة "(1) (3/130).
وأخيراً وردت الحلقة الرابعة التي ختم بها التشريع في الربا (بل ختم بها التشريع القرآني كله على ما صح عن ابن عباس) وفيها النهي الحاسم عن كل ما يزيد عن رأس مال الدين حيث يقول الله تعالى: " يأيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين. فان لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله. وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون. وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون. واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون " (2/278 ـ 281).
هذه أيها السادة والسادات نصوص التشريع القرآني في الربا مرتبة على حسب تسلسلها التاريخي.
وإنكم لترون الان أن الفئة التي تزعم أن الإسلام يفرق بين الربا الفاحش وغيره " وهي فئة من المتعلمين الذين ليس لهم رسوخ قدم في علوم القرآن " لم تكتف بأنها خالفت إجماع علماء المسلمين في كل العصور، ولا بأنها عكست الوضع المنطقي
*(هوامش)*
(1) هذا هو النص الذي اعتمد عليه أصحاب نظرية الرخصة في الربا اليسير، وسنرى تفسيرة قريبا.
