/ صفحه 70/
والمفاجأة، بل يتلطف في السير بها إلى الصلاح على مراحل متريثة، متصاعدة، حتى يصل بها إلى الغاية.
كلنا نعرف ما كان منه في شأن الخمر، وأنه لم يبطله بجرة قلم، بل لم يحرمه تحريماً كلياً إلا في المراحلة الرابعة من الوحي. أما المرحلة الأولى (التي نزلت في مكة) فإنها رسمت الوجهة التي سيسير فيها التشريع. وأما المراحل الثلاث (التي نزلت بالمدينة) فكانت أشبه بسلم: أولى درجاته بيان مجرد لآثار الخمر، وأن إثمه أكبر من نفعه والدرجة الثانية تحريم جزئي له، والثالثة تحريمه التحريم الكلي القاطع.
فهل يطيب لكم أن تدرسوا معي المنهج التدريجي الذي سلكه القرآن في مسألة الربا؟.
إنه لمن جليل الفائدة أن نتابع هذا السير لنرى انطباقه التام على مسلكه في شأن الخمر، لا في عدد مراحله فحسب، بل حتى في أماكن نزول الوحي، وفي الطابع الذي تتسم به كل مرحلة منها.
نعم، فقد تناول القرآن حديث الربا في أربعة مواضع أيضا، وكان أول موضع منها وحياً مكياً، والثلاثة الباقية مدنية، وكان كل واحد من هذه التشريعات الاربعة متشابها تمام المشابهة لمقابله في حديث الخمر.
ففي الآية المكية يقول الله جلت حكمته: " وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون " (سورة 30 ـ آية 29) هذه كما ترون موعظة سلبية: إن الربا لا ثواب له عند الله.
نعم، ولكنه لم يقل إن الله ادخر لآكله عقابا. وهذا بالضبط نظير صنيعه في آية الخمر المكية (16/67) حيث اومأ برفق إلى ان ما يتخذ سكراً ليس من الرزق الحسن، دون أن يقول إنه رجس واجب الاجتناب، ومع ذلك فان هذا التفريق في الاسلوب كان كافيا وحده في ايقاظ النفوس الحية، وتنبيهها إلى الجهة التي سيقع عليها اختيار المشرع الحكيم.
اما الموضع الثاني فكان درسا وعبرة قصها علينا القرآن من سيرة اليهود
