/ صفحه 68/
وضرب آخر من هذه العقود: أن يدفع الدائن لمدينه قدراً من المال لسنة، على أن يأخذ منه فائدة معينة كل شهر؛ فإذا جاء آخر السنة ولم يرد رأس المال اتفقا على فوائد أخرى للتأخير.
البلاد الإسلامية في العصر الحاضر:
لقد جاهد الإسلام والمسيحية قروناً متطاولة لا لمنع قانونية الربا فحسب، بل لمنع التعامل به اطلاقا.
بيد أننا رأينا آنفا كيف انتهى الامر بالثورة الفرنسية في آخر القرن الثامن عشر أن قضت على هذه المقاومة في أوربا، وأقرت النظام الذي بقي فيها منبوذا طوال ألف عام كاملة.
وكان طبيعيا ان تؤدي العلاقات المستمرة بين أجزاء العالم القديم إلى انتشار هذه الفكرة المادية رويدا رويداً وانتقالها إلى خارج أوربا. وهكذا لم ينتصف القرن التاسع عشر إلا وقد سرت عدواها إلى البلاد الإسلامية، فبدأ بعض المسلمين يتعاملون بالربا لا إقراضا، بل اقتراضا، ثم اتسع الامر وشاع عمليا؛ مع بقائه محظوراً قانونياً، ثم دخل الاذن به في دائرة التشريع تحت ضغط السلطات الاوربية المحتلة للأقطار الإسلامية؛ وبقيت الشعوب الإسلامية نفسها مدة طويلة متمردة على فكرة تأسيس مصارف وطنية تكون مهمتها التصرف في جميع المعاملات المالية التي منها القرض بقائدة.
ونذكر فيم يتعلق بمصر على الخصوص أن هذه المقاومة الشعبية بدأت تضمحل في أول هذا القرن العشرين؛ بسبب حادث تاريخي خاص أثار فيها أزمة مالية وأزمة نفسية في وقت واحد. نعم لقد حدث إذ ذاك أن امتنعت المصارف الاجنبية المؤسسة في مصر عن مد يدها بالقرض إلى الشعب المصري، فأصبح الشعب وقد وجه نفسه أمام محظورين لا مخرج له منهما: إما ان يلجأ إلى المرابين الذين ليس في قلوبهم رحمة يقترض منهم بأقدح الربا وأخطره؛ وإما ان ينشئ شركة مالية برءوس أموال وطنية خالصة، يقترض منها المحتاجون بشروط غير مجحفة.