/ صفحه 67/
سببا في تشجيعهم على التعامل به، ولكن الذي يزيل هذا العجب أن نعرف أن هذه الديانة نفسها ـ حسبما ورد في كتب أهلها ـ تبيح الربا كلما تحرمه، نعم لقد سقنا آنفا شواهد التحريم من نصوص التوراة، ولكننا وا أسفاه نجد فيها نصاً آخر يقيد هذا التحريم ويجعله خاصا بالشعب العبراني. بحيث يسوغ اليهودي أن يأخذ الربا من غير اليهودي (1) (الآية 20 من الفصل 23 من سفر التثنية) ولما لم يكن في هذا النص تحديد قانوني لقدر الربا المأذون فيه كان ذلك فتحاً لباب الاستغلال المالي على مصراعيه بحيث يدخله أشد أنواع الربا فداحة وإفراطا.
هكذا كان هذا النص المنسوب للقانون الموسوي سببا فيما نرى ـ أو جزءاً كبيراً من السبب ـ لا في بقاء التعامل بالربا في العالم إلى اليوم فحسب، بل في تهوين أمره على كثير من النفوس، واتخاذهم إياه أمراً مشروعا في بعض الاحوال.
ومهما يكن من أمر فقد اعتاد العرب في عصور الوثنية أن يقترضوا بالربا من اليهود، وأن يتقارضوا به فيما بينهم، دون أن يجدوا فيه حرجاً ولا غضاضة.
وقد عرفت لهم في ذلك أنواع مختلفة من العقود الربوية. وأكثرها انتشاراً فيما بينهم كانت تبدأ المحاسبة فيه ـ على ما يظهر ـ من السنة الثانية ؛ بمعنى أن الدائن لا يطلب من مدينه شيئا وراء رأس المال إذا وفاه دينه في أجله المعلوم. فإن لم يستطع أداه في ذلك الأجل اتفقا على تأجيله سنة ثانية في مقابل زيادة يختلف مقدارها على حسب التراضي بينهم، ونضرب مثلا: مديناً كان عليه أن يسلم للدائن في أجل كذا حيوانا سنه ثلاث سنوات، فإذا لم يدفعه إليه في ذلك الموعد أجله إلى السنة القابلة، لكن الحيوان يجب أن يكون سنه إذ ذاك أربع سنوات، ولقد كانت تصل الزيادة في بعض الاحيان إلى قدر رأس المال في آخر السنة الثانية فتصبح المائة مائتين؛ فإن لم يؤد تضاعف رأس المال والفائدة معاً فيصيران أربعمائة في آخر السنة الثالثة وهكذا.

*(هوامش)*
(1) معروف رد القرآن (في الايتين 75،76 من السورة الثالثة) على هذه الدعوى التي لا تدع لقانون الفضيلة إلا مجالا محدودا للتطبيق، مع أن مبادئ الأخلاق يجب أن تكون عالمية لا حدود لها من جنس ولا لون ولا عقيدة ولا إقليم.