/ صفحه 66/
ولكنها بدأت تفقد مناعتها شيئاً فشيئاً منذ عصر النهضة، على أثر الاعتراضات المتكررة التي وجهت إليها بين القرنين السادس عشر والثامن عشر من (كالفان) إلى (مونتيسكو). وكان لهذا الضعف مظهران: مظهر عملي، ومظهر تشريعي. فأما المظهر العملي فهو أن بعض الملوك والرؤساء الدينيين أنفسهم أخذوا يجترئون على انتهاك هذا التحريم علناً. من ذلك أن (لويس الرابع عشر) اقترض بالربا ليسدد ثمن دانكرك في سنة 1662، وأن البابا (بي التاسع) تعامل بالربا في سنة 1860. وأما المظهر التشريعي: فهو أنه منذ آخر القرن السادس عشر(1593) وضع استثناء لهذا الحظر في أموال القاصرين(1)، فصار يباح تثميرها بالربا بإذن من القاضي.
أما الضربة القاضية التي وجهت إلى هذه النظرة الدينية فقد حملتها إليها الثورة الفرنسية حيث احتضنت المذهب المعارض وجعلته مبدأ رسمياً منذ قررت الجمعية العمومية في الامر الصادر بتاريخ 12 أكتوبر سنة 1789أنه يجوز لكل أحد أن يتعامل بالربا في حدود خاصة يعينها القانون.
بلاد العرب قبل الإسلام:
لم يكن قد بقي لعرب الجزيرة في الجاهلية من التراث الديني الذي تركه جدهم ابو الانبياء، إبراهيم (عليه السلام)، إلا آثار قليلة لا تخلو من التحريف، ولذلك لم يفتئون يتبعون أهواءهم ونزعاتهم المادية في أكثر عباداتهم ومعاملاتهم. وكان من ذلك تعاملهم بالربا بدون قيد من عرف ولا تشريع، ولعل مرد هذا (أولا) إلى نزعة الاستكثار حب الكسب التي تنمو عادة في البيئات التي تزدهر فيها التجارة، كما كان هو الحال في مكة (وثانيا) إلى علاقتهم المستمرة باليهود، الذي هم جيرانهم وأبناء عمومتهم.
ولعلكم تعجبون أن تكون مجاورتهم لشعب ذي شريعة سماوية تحرم الربا
*(هوامش)*
(1) قارن هذا بالرخصة التي أخذت بها المحاكم في عهد الكولة العثمانية، اعتماداً على الفتوى الواردة في كتب الحنفية.
