/ صفحه 61/
عظيم، وفي إغفالها ضرر وتشديد، فالاصل أن كل شئ من الاشياء مباح للناس، وهذا الاصل مستمد من قوله تعالى: " خلق لكم ما في الأرض جميعا " فلا يحل لإنسان أن يحرم شيئا إلا بدليل يدل على تحريمه، وكل ما لم يتبين بالدليل أنه حرم واستثنى من أصل الحل والاباحة فهو باق على حكمه الأصلي في هذه القاعدة، ويطبق هذا على كل ما يحدثه الناس من المعاملات التي لم تكن متعارفة من قبل، فلا يسوغ الحكم ببطلان معاملة منها إلا إذا ثبت أن هذه المعاملة محرمة بالدليل الشرعي، لا بمجرد أقيسة المتفقهين، أو تزمت المتزمتين.
ومنها: أن الله تعالى يضيف الزينة إليه فيقول: " زينة الله " ولا شك أن هذه الاضافة تفيد أن الشارع لا يكتفي بمجرد إباحتها، ولكنه يحبب فيها، إذ يشرفها بهذه الاضافة ويرفع قدرها، ويؤكد هذا المعنى قوله تعالى بعد ذلك: " التي أخرج لعباده " فان هذا الوصف يراد به لفت الناس إلى انها مقصودة لله تعالى، ومقصود تيسيرها للناس بخلق موادها، وتعليمهم طرق صناعتها والانتفاع بها، وفي التعبير بقوله: " لعباده " توكيد بعد توكيد، إذ المراد به إشعار الناس بأن الله أخرج لهم هذه الزينة لأنهم عباده، فهو يحبهم ويرحمهم، ويريد أن ينعم عليهم، وييسر لهم بشرع ما فيه مصلحتهم، وما يرفع الحرج عنهم، وما يجري مع طبيعتهم وفطرتهم.
ويقال مثل هذا في قوله تعالى: " والطيبات من الرزق " فإنه يفيد أن أساس حلها هو كونها طيبات لا ضرر فيها ولا ألم، فليست مشتملة على ما يضر جسم الإنسان، ولا هي اجتلبت من طريق غير مشروع حتى تضر بالمعاني الروحية، وهي في الوقت نفسه " من الرزق " أي أنها صادرة من الله الرازق المنعم على حد ما سبق في قوله: " أخرج لعباده " وإذا تأملنا هذا السؤال الانكاري وجدناه متصلا في المعنى بالامر السابق خذوا زينتكم … وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. كأنه قال: إنا أمرتكم بهذا لأني أخرجتها لكم وجعلتها طيبة حلالا، وليس لأحد أن يحرمها عليكم.
ومن الفوائد التي نفيدها من ذلك: أن هذا المبدأ الإسلامي العظيم الذي هو تحبيب الزينة والطيبات من الرزق إلى الناس بهذا الاسلوب يقتضي أن الإسلام يريد من الناس ألا يكتفوا في معيشهم بمجرد ما يستر من اللباس، وما يقيت من
