/ صفحه 62/
الطعام والشراب، ولكنه يطلب منهم أن يتطلعوا إلى مستوى في المعيشة أرقى من ذلك هو إعطاء النفس حقها من المتاع الحسن، ورفعها عن المستوى الحيواني الذي يكفي فيه أقل القوت وأدنى ما يحقق البقاء، وذلك كله بشرط عدم الإسراف، وابتغاء ما لا يخرج عن وصفه بأنه " زينة الله " وبأنه " طيبات ".
ومن الفوائد أيضا: أن هذا المبدأ يقتضي أن يجتهد الناس وينشطوا في العمل والسعي ليحققوا لأنفسهم مستوى عالياً محترما في العيش، وأن هذا النشاط والجد من شأنهما أن تزدهر الصناعة والابتكار في ظلهما، وأن تفيد بذلك الحضارة والمدنية تقدما ورقيا، فإن الناس سيندفعون في هذه السبيل اندفاعا يجعلهم متنافسين متسابقين، كل يريد أن يرقي ويحيا حياة سعيدة، فهو يعمل ويثمر ويبتكر ويحاول أن يسبق ويتقدم ليفوز، وهذا معترك شريف، وميدان يرضى الله التنافس فيه، ما دام في حدود ما رسم الله من عدم الإسراف والخروج عما أباح، وقد جاءت خاتمة الكلام في شأن هذا المبدأ متفقة مع ذلك حيث يقول الله عزوجل: " قل هي " أي الزينة والطيبات من الرزق " للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم القيامة " وعندي أن معنى ذلك: أن الزينة والطيبات من الرزق هي متاع مباح في الدنيا للمؤمنين مع كونه خالصا يوم القيامة، أي لا إثم فيه يحاسبون عليه يوم القيامة فيشوب لذتهم به وانتفاعهم، وإنما كان ذلك خاصاً بالمؤمنين، لأنهم هم الذين يرعون الحدود، ولا يخرجون على ما رسم الله، ويعرفون كيف يتمتعون بما أخرج الله لعباده من الزينة، وبما رزقهم من الطيبات ـ أو المفروض انهم هم الذين يقصدون إلى ذلك ولا يميلون عنه ـ أما غير المؤمن فهو لا يعرف إلا انه يرضى متاعه دون التفات إلى مراعاة حق النعمة، ولا حق المنعم.
هذا هو منهج الإسلام في اللباس والزينة والطعام والشراب والطيبات من الرزق عامة: لا تحرم لما أخرج الله لعباده، ولا إسراف ولا التماس لغير الطيبات، ولا تحرج من تطلب المتاع الحسن من وجوهه المشروعة، ولا بأس بالتنافس في سبيل التقدم والرقي تنافساً من شأنه أن يرفع مستوى البشر، ويحقق إلى جانب ذلك سموهم الروحي، وكمالهم الخلقي.
