/ صفحه 59/
وجعل في طبيعته فطرته استحسانه واتخاذه والتفرد به عن الحيوان كمظهر من مظاهر الكرامة الانسانية، والسمو على الحيوانية البهيمية، تلك المظاهر التي أجملها القرآن الكريم في قوله تعالى: " ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر، ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا " ـ وقد جاء الانزال بمعنى النهيئة والتمكين في غير هذا الموضع أيضا، ومن ذلك قوله تعالى: " وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس " ـ وأما قوله تعالى: " ولباس التقوى ذلك خير " فالمراد به تقرير الحقيقة في الجانب الروحي للإنسان، ومقابلة الجانب الجسمي بها، وهو تعبير مجازي أورد على طريقة المشاكلة إيحاء بأن للناس نوعين من اللباس والزينة، أحدهما: اللباس الحسي الذي يواري السوآت ويبدي المحاسن الجسمية، والاخر: اللباس المعنوي الروحي الذي هو أعلى شأنا، وأعظم خيرا من اللباس المادي، وفي كل خير.
وقد جاء في السورة بعد هذا: " يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما " وتلك إشارة إلى أن اللباس خير وكمال، ولذلك كان الشيطان الذي هو العدو الاكبر للإنسان، سببا في نزعه عنهما، وتجريدهما منه، والعدو من شأنه أن يعمل الشر ويدبر السوء لعدوه، وإذن فالشر إنما هو في العري والتجرد.
بعد هذا كله تجئ الآية التي معنا: " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد" والزينة قدر من التجمل فوق أصل اللباس، فالله تعالى يأمرنا أن نتجمل في حالة العبادة، لا ان نتجرد، فهو يقابل فلسفة المشركين وغيرهم التي تتخيل في التجرد من اللباس كله مرضاة الله، بفلسفة أخرى تقوم على أن العبادة قرب من العبد إلى الرب الذي هو الملك الأعظم، والشأن فيمن يقرب من الملك أن يتجمل ويتزين ولا يكتفي بأدنى لباس، فضلا عن أن ينزع اللباس متجردا.
وينبغي أن نلتفت في هذا كله إلى أن السورة وهي تتخذ السبيل التي بيناها، قد حرصت على ان تخاطب بهذا كله " بني آدم " فهي تناديهم في شأن هذه الحقيقة
