/ صفحه 58/
وفي العالم الآن أقوام يؤثرون " العري" اما لنشأتهم في بلاد سحيقة بعيدين عن المدنية والتهذيب، كبعض سكان أفريقيا، وإما لمعان زعموها مبررة لذلك، كالذين نسمع عنهم في أوروبا وأمريكا من أصحاب نوادي العراة، الذين يتخذون أماكن لهم خاصة فيخلعون الثياب عند أبوابها، ويدخلونها متجردين كما ولدتهم أمهاتهم، ويختلطون على هذا النحو لا فرق بين رجل وامرأة، ولا بين كبير وصغير، وقد سمعنا أخيرا أنهم يحاولون عقد مؤتمر عام لهم في أي بلد من بلاد أوروبا أو امريكا يجمع بين أرباب الجنسيات المختلفة منهم، ويقررون فيه مبدأهم ويدعون العالم اليه، ولكن الناس لم يسمعوا اليهم، ولم يوجد أي بلد من بلاد العالم رضى أهله أو حكامه بأن يعقد فيه مثل هذا المؤتمر، حتى ولو تعهد أصحابه بأن يعقدوه وهم في لباسهم كسائر الناس، وذلك لأن مجرد السماج لهم بالمناقشة في هذا الامر والدعوة له فيه خطورة على تقاليد الأدب والانسانية الرفعية المهذبة.
وقد قضى القرآن الكريم على هذا كله، وأبطل كل اتجاه اليه، سواء أكان اتجاهاً إلى فطرية مزعومة، أم إلى فلسفة موهومة، وسلك إلى هذا كله سبيلا يرجع الامر فيه إلى أصله الأول منذ برز الإنسان إلى هذه الحياة، وسكن هذا الكوكب، فهذه الآيات جاءت في سورة " الاعراف " وقد عرضت هذه السورة إلى الحديث عن آدم وزوجه، فذكرت أنه لما حان الوقت لخروجهما من الجنة بدت لهما سوآتهما ـ أي عوراتهما ـ فطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، وذلك يدل على أن طبيعة الإنسان الأول تنفر من انكشاف السوأة، وعلى أنهما حين كانا في الجنة كان عليهما ما يسترهما، والجنة هي الدار المثلى، فلو كان الأمثل بالانسان أن يتعرى فيها لكا آدم وزوجه فيها عاريين.
ثم جاء في هذه السورة أيضا قوله تعالى: " يا بني آدم قد أنزلننا عليكم لباسا يواري سوآتكم وريشا، ولباس التقوى ذلك خير، ذلك من آيات الله لعلهم يذكرون ".
ومعنى إنزال اللباس الذي يواري السوآت، والريش الذي هو زينة زائدة على ذلك ومتاع فوق السترة: ان الله تعالى هيأه للإنسان، وجهه إليه منذ القدم،
