/ صفحه 57/
1 ـ أمر الناس بأن يأخذوا زينتهم عند كل مسجد، وقد روى علماء التفسير في هذا الموضوع أن أهل الجاهلية كانوا يطوفون بالبيت عراة، يقولون: لا نطوف في ثياب عصينا الله فيها، وفي رواية رواها مسلم والنسائي وغيرهما عن ابن عباس: أن النساء أيضا كن يطفن بالبيت عاريات، إلا أن تجعل المرأة على سوأتها خرقة، وأن أمرأة فعلت ذلك وهو تقول:
اليوم يبدو كله أو بعضه وما بدا منه فلا أحله
والواقع أن مسألة اللباس والزينة من المسائل التي اختلفت فيها عادات الناس وأذوافهم: اختلفوا في أصلها، واختلفوا في مادتها وطريقة لبسها، والذي يعنينا من ذلك الان هو ان نذكر أن فريقا من البشرية يؤثرون " العرى " والتخلي عن الثياب عامة، ونظن أن البشرية أخذت بهذا التقليد في بعض عصور انحطاطها، وأن سبب ذلك يرجع إلى سكنى الجبال والكهوف يوم كان الإنسان كهفيا جبليا، ثم وجد في الناس من يتفلسف في هذا فيزعمه تخلصا من التكلف، ورجوعاً إلى الفطرة والطبيعة، ويقول: إن الإنسان يولد عاريا ككل حيوان آخر، فلماذا يتكلف اللباس، ولماذا لا يبقى على الوضع الذي خلقه الله عليه كما تبقي الحيوانات الآخرى؟ وهل يجر عليه اللباس إلا تعقيدات هو في غنىعنها لو ألف العرى والتجرد؟ وهل جاء التفاوت الطبقي الامن هذه الاضافات وأمثالها إلى الطبيعة المجردة؟
ومن الناس من يفلسف " العري" على نحو آخر ـ وقد بدأ هذا من فكرة الزهد والتقشف، والميل إلى عبادة الله بالتجرد، فإننا نرى مبدأ هذا في المتصوفة حيث يكتفون بأيسر الثياب وبأدناها مادة، فيلبسون الصوف لخشونته، أو المرقعات لحقارتها والرغبة في إذلال النفس وتعذيبها، فانتقل بعض الناس من هذا إلى التخلص من الثياب كلها زاعمين أن ذلك قربان وتضحية وعبادة وإمعان في حرمان النفس ـ وهؤلاء المشركين لهم أيضا فلسفة باطلة في هذا، كما تدلنا الرواية التي ذكرناها، فهم يقولون: نتعرى عند الطواف الذي هو عبادة وقربة، لأن الثياب التي نلبسها هي ثياب صاحبتنا في معاصينا وذنوبنا، فليست جديرة بأن تصاحبنا في عبادتنا وطوافنا.
