/ صفحه 56/
ولذلك رد النبي صلى الله عليه وآله وسلم التبتل على ابن مظعون، فثبت أنه لا فضل في ترك شئ مما أحله الله لعباده، وأن الفضل والبر إنما هو في فعل ما ندب عباده اليه، وعمل به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وسنة لأمته، واتبعه على منهاجه الائمة الراشدون، إذ كان خير الهدى هدى نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فاذا كان كذلك تبين خطأ من آثر لباس الشعر والصوف على لباس القطن والكتان إذا قدر على لباس ذلك من حله، وأثر أكل الخشن من الطعام وترك اللحم وغيره، حذرا من عارض الحاجة إلى النساء … فإن ظن ظان أن الخير في غير الذي قلنا لما في لباس الخشن وأكله من المشقة على النفس، وصرف ما فضل بينهما من القيمة إلى أهل الحاجة، فقد ظن خطأ وذلك أن الأولى بالإنسان صلاح نفسه وعونه لها على طاعة ربها، ولا شئ أضر للجسم من المطاعم الرديئة لأنها مفسدة لعقله؛ ومضعفة لأدواته التي جعلها الله سببا إلى طاعته، وقد جاء رجل إلى الحسن البصري فقال: إن لي جاراً لا يأكل الفالوذج، فقال: ولم؟ قال: يقول لا يؤدي شكره، فقال الحسن: أفيشرب الماء البارد؟ قال نعم، فقال: إن جارك هذا جاهل، فإن نعمة الله عليه في الماء البارد أكثر من نعمته عليه في الفالوذج !".
5 ـ ومن ذلك قوله تعالى: " يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد. وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. إنه لا يحب المسرفين. قل من حرم زينة الله التي اخرج لعباده والطيبات من رزق. قل هي للذين آمنوا في الحياة خالصة يوم القيامة كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ".
فهاتان الايتان الكريمتان جاءتا على مبدأ " الوسطية " الذي بيناه، فهما تقرران حق الإنسان في الأكل والشرب واللباس والزينة والطيبات من الرزق على حسب الناموس الذي يستقيم عليه شأنه فردا وجماعة، والذي يؤدي به حظ الجسم والروح معا، وهما في الوقت نفسه توحيان ببعض القواعد والأصول التي تؤدي إلى تيسير الحياة على الناس، والى ترقية المستوى البشري في الجانب المادي والروحي.
بيان ذلك أن هاتين الايتين تقرران ما يأتي:
