/ صفحه 55/
البخاري عن أنس قال: " جاء ثلاثة رهط إلى بيوت ازواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته، فلما أخبروا بها كأنهم تقالوها، فقالوا: وأين نحن من النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، قال أحدهم: أما انا فإني أصلي الليل أبدا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا. فجاء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: " أنتم الذين قلتم كذا وكذا؟ أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني " وقد أرشد النبي صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الرهط الثلاثة إلى أن نهيه عن التبتل والانقطاع، وأمره بتوفية النفس حقها من حظوظ الحياة في اعتدال وما شرحه من سنته في المداولة بين العبادات ـ كل ذلك لا يتنافي مع التقوى والخشية من الله، فانه صلى الله عليه وآله وسلم أتقاهم وأخشاهم، ومع ذلك لا يفعل ما هموا أن يفعلوا، ولا يرضى به سنة لأمته.
وبهذا رسم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم للأمة طريقها الوسط " وكان شهيداً عليهم وفاصلا بينهم برسم هذا الطريق، وأيده في القرآن الكريم إذ أنزل هاتين الايتين.
وفي ذلك يقول العلامة الطبرسي صاحب تفسير " مجمع البيان ":
هذا استدعاء إلى التقوى بألطف الوجوه، وتقديره: أيها المؤمنون بالله لا تضيعوا إيمانكم بالتقصير في التقوى، فتكون عليكم الحسرة العظمى، واتقوا في تحريم ما أحل الله لكم، وفي جميع معاصيه من به تؤمنون، وهو الله تعالى، وفي هاتين الايتين دلالة على كراهة التخلي والتفرد والتوحش، والخروج عما عليه لجمهور من التأهل وطلب الولد، وعمارة الأرض.
ويقول شيخ المفسرين العلامة الطبري في هذا أيضا: " لا يجوز لأحد من المسلمين تحريم شئ مما أحله الله لعباده المؤمنين على نفسه من طيبات المطاعم والملابس والمناكح إذا خاف على نفسه بإحلال ذلك بها بعض العنت والمشقة،
