/ صفحه 54/
وقل مثل هذا في الزكاة، والحج، والنكاح، والطلاق، وحل البيع، وحرمة الربا؛ والاعتراف بالحرب مع النهي عن الاعتداء، والامر بأخذ الحذر مع النهي عن الاسراف في التظنن، وتشريع القصاص مع العدل والمساواة فيه، وإباحة الانتصار للنفس مع الترغيب في جانب العفو، وغير ذلك مما كلفنا الله تعالى إياه، وكانت سنة الإسلام فيه التوسط، دون ميل إلى جانب التفريط، أو جنوح إلى ناحية الافراط.
4 ـ ومن ذلك في جانب أمثال هذه الأمور العملية قوله تعالى:
" يأيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين،وكلوا ما رزقكم الله حلالا طيبا واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون ".
فالقرآن الكريم يقرر بهذا مبدأ من أهم المبادئ الإسلامية التي جعل الله بها المسلمين أمة وسطا ليكونوا شهداء على الناس، ذلك المبدأ هو مراعاة حق الفطرة الانسانية، والنهي عن سلوك السبيل التي سلكها أهل الأديان السابقة أو بعض الفلاسفة، من تعذيب النفس وحرمانها من الأخذ بما يلائم الفطرة ويحقق المتاع الجسمي الطبيعي، وإيثارا لتهذيبها، وميلا إلى تقوية الجانب الروحي فيها، فالقرآن الكريم يبطل هذا في قوة وحزم، وينهى المؤمنين عنه، ويصف ما أحله للناس بأنه طيبات إيحاء لهم بأن إحلاله إنما كان لطيبه وطيبه معناه خلوه مما يؤذي النفس ماديا ومعنويا،واشتماله على ما يفيدها في كليهما، ثم يشعرهم إشعاراً قويا ـ حين ينهاهم عن الاعتداء، وينفي حب الله للمعتدين ـ بأن في تحريم الإنسان طيبات ما احل الله له خروجا منه عن حده، وتجاوزاً لدائرة فطرته وإنسانيته، وتمردا على الألوهية ذات الدقة في التشريع، والحكمة في التحليل والتحريم، ثم يأمرهم أمراً صريحا بالأكل مما رزقهم الله من الطيبات، غير مكتف بفهم ذلك من النهي السابق، ويؤكد هذا كله بأمرهم بتقوى الله الذي هم به مؤمنون، مشيراً بذلك إلى ان هذا من مقتضيات الإيمان.
وقد ذكر العلماء في سبب نزول هذه الآيات بعض الاحاديث، منها ما خرجه