/ صفحه 51/
له صاحبه، وخلق كل شئ، وهو بكل شئ عليم. ذلكم الله ربكم لا اله إلا هو خالق كل شئ فاعبدوه وهو على كل شئ وكيل. لا تدركه الابصار وهو يدرك الابصار وهو اللطيف الخبير ".
فالقرآن الكريم لم يأت لنا أبدا بشئ يفصح عن ذات الله تعالى من حيث الحقيقة ولكنه، وإنما هو يلفت دائما إلى آثار الله في الخلق والتصريف.
وقد قص الله علينا ما كان من نقاش بين نبيه موسى وفرعون حين أعلنه بأنه مرسل من رب العالمين، فأراد فرعون أن يمكر به، وأن يقحمه في ورطه لاخلاص له منها: " قال فرعون: وما رب العالمين " سأل عن حقيقة الرب لأن السؤال بما، لطلب الحقيقة، فلو حاول موسى أن يجيبه عما سأل لحاول محالا، وأثار على نفسه نقاشا وجدالا، ولو سكت عن الجواب لبان عجزه، ولكن موسى رد على فرعون رداً حكيماً قال: " رب السموات والأرض وما بينهما ان كنتم موقنين " فكأنه قال له: ليس لك أن تسأل عن ذات الله وحقيقته فذلك فوق عقلك وفوق قدرتك وفهمك، ولكن سل عن آثاره تعلم أنه رب كل شئ في السماء والأرض وما بينهما خلقا وتصريفا وحكما وعلما. وهذا هو الجواب الحق، لأن ذات واجب الوجود سبحانه وتعالى يستحيل أن تعرف بالماهية التي تستدعي التركب من الأجزاء، فلم يبق إلا ان تعرف بآثاره وأفعاله، وقد تناسى فرعون ذلك لأنه لا يريد إلا المجادلة بالباطل، وقال لمن حوله: ألا تستمعون؟ يعني فلتعجبوا له، أنا أسأله عن الماهية والحقيقة، وهو يجيبني بنسبة الآثار إليه خلقا وتصريفا، وعندئذ عدل موسى إلى جواب آخر: " قال ربكم ورب آبائكم الاولين " وفيه أيضاً معنى لفته إلى عدم امكان السؤال عن الذات، مع انتقاله إلى بيان أثر آخر من آثار القدرة الالهية هو أقرب وضوحاً من الأول، لأن أمر السموات والأرض ربما أشكل على بعض العقول، أما شعور العاقل بأنه مخلوق متناسل من مخلوقين فهو أقرب قبولا، وليس من السهل انكاره، ولكن فرعون أصر على أن الجواب غير السؤال، واشتد في هذه المرة ما لم يشتد في المرة السابقة: " قال: إن رسولكم الذي أرسل اليكم لمجنون "
