/ صفحه 52/
أي فهو لا يفهم السؤال فضلا عن أن يجيب، وهنا أجابه موسى بأثر آخر من آثار القدرة الالهية هو أشد الآثار وضوحا وجلاء: قال: رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعلقون " فالمشرق يشير إلى طلوع الشمس وظهور النهار، والمغرب يشير إلى غروبها ومجئ الليل، وهذان أمران دائمان مستمران لا شك أنهما عن تدبير وقدرة من مدبر قادر.
في هذا كله يظهر لنا مبلغ إصرار فرعون، وهو المتكلم بلسان أهل الباطل والاضلال، على اقتحام ما لا يقتحم، ومحاولة البحث عما لا سبيل إلى معرفته، ليتخذ ذلك سبيلا إلى الفتنة والشك، وإلقاء الريب في النفوس المستعدة لذلك، ويظهر لنا إصرار موسى، وهو المتكلم بلسان أهل الحق والهداية، على صرف الحديث عن ذلك المقتحم الصعب، والاكتفاء بمعرفة الله عن طريق آثاره وآياته، وهذه ولا شك سبيل المؤمنين، وهي سبيل وسط بين الموغلين في تصور الألوهية كما تتصور المادة، والموغلين في إنكارها مع وجود آثارها، وضوح أفعالها وتدبيرها.
2 ـ ومن ذلك عقيدة الإسلام في التوسط بين الزاعمين بأن الإنسان مجبور ظاهرا وباطنا، والزاعمين بأنه خالق لكل فعل من أفعال نفسه دون دخل الله.
في القرآن آيات يستدل بها هؤلاء، وآيات يستدل بها هؤلاء، والنقاش والجدال بينهما طويل؛ ولكن المتأمل المنصف الخالي من التعصب يستطيع أن يعلم الحق وأن يراه واضحا في كتاب الله، كما هو واضح في الواقع.
بيان ذلك: أن كلامنا يشعر في نفسه بأمرين لا يستطيع أن يجادله فيهما مجادل أحدهما: أنه فاعل متصرف يأتي الشئ بإرادته، ويمتنع عنه بإرادته، فمن قال إنه مجبور على الأفعال كالريشة في مهب الريح فقد أنكر هذا الاحساس ؛ والثاني: أنه مع ذلك تحيط به ظروف وأسباب في الكون والمجتمع، خارجة عن إرادته ليس له في تكييفها تأثير، وهذه الظروف قد تعطل إرادته في بعض الاحيان فلا يتم تنفيذها، وقد تلائم هذه الإرادة فتتم؛ فإذا نظرنا إلى هذه الظروف وتلك التأثيرات