/ صفحه 38/
وكان الدسوقي يقول: العلم كله مجموع في حرفين: أن يعرف العبد العبودية ويعبده، فمن فعل ذلك فقد أدرك الشريعة والحقيقة، وليس في هذا تعطيل العلماء، بل العلم ابن العمل، وإنما قلنا ذلك من أجل قوله تعالى: " فاقرءوا ما تيسر منه " ولكل فرقة منهاج، وإلا فقد يجمع الله العلم والعمل في رجل واحد يفيد الناس كل الفوائد، فالشريعة هي الشجرة، والحقيقة هي الثمرة.
وجاءه رجل فقال له: أريد أن أسلك طريق الحقيقة، فقال: يا ولدي الزم أولا طريق النسك على كتاب الله تعالى، وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم المرضية الزاهرة الباهرة، التي نورها جلا الظلم، وأنار بطاح مكة والمدينة والشام ومصر والعراق واليمن والمشرق والمغرب والأفق العلوي والسفلي، فإذا عملت بها انقدح لك منها علم الحقائق والاسرار، فاسلك يا أخي كما قلت لك على التدريج شيئاً بعد شئ، والله يحفظك إن صدقت.
وكان يقول ـ رضي الله عنه ـ: أهل الشريعة يبطلون الصلاة باللحن والفاحش، وأهل الحقيقة يبطلون الصلاة بالخلق الفاحش، فإذا كان في باطن المصلي حقد أو حسد أو سوء ظن بأحد أو محبة للدنيا، فصلاته باطلة، لأن أهل هذه الأخلاق في حجاب عن شهود عظمة الله تعالى في الصلاة، ومن كان قلبه محجوباً فما صلي، لأن الصلاة صلة بالله تعالى.
وكان يقول: يا ولد قلبي تجنب معاشرة اولي الأقوال والجدال، ولا تتخذ أحداً منهم صاحباً، وجالس من جمع بين الشريعة والحقيقة فإنه أعون لك على سلوكك.
وكان الشيخ محمد المغربي الشاذلي يقول: السالكون ثلاثة: جلالي وهو إلى الشريعة أميل، وجمالي وهو إلى الحقيقة أميل، وكمالي جامع لهما على حد سواء، وهو منهما أكمل وأفضل.
وكان يقول: ابن الشريعة ناظر بعين الحكم الظاهر، ونسبة فعل الخلق إليهم لتوجه الخطاب وترتب الأحكام عليهم " والله خلقكم وما تعلمون " وابن الحقيقة ناظر بعين الحكمة الباطنة ونسبة الفعل إلى الحق، لأنه الفاعل المختار حقيقة " وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون ".
