/ صفحه 372/
وقال عمر: كنت قد ناوبت رجلا من الأنصار حضور مجلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليحدث كل واحد منا صاحبه فيما يجري، فقرع الأنصاري باب الدار يوماً، فقلت أجاءتنا غسان؟ ـ وكان قد أخبرنا بأن غسان تتعلق خيولها لتغزونا ـ فقال أمر أفظع من ذلك، طلق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جميع نسائه فخرجت من البيت، ورأيت أصحابه يبكون حوله وهو جالس، وكان أسامة على البيت، فقلت استأذن لي فلم يجب، فانصرفت، فنازعتني نفسي وعاودت قلبي فلم يجب، حتى فعلت ذلك ثلاثا فسمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صوتي فأذن فدخلت، فرأيته نائما على حصير من الليف فاستوى وأثر الليف في جنبه، فقلت: إن قيصر وكسرى يفرشان الديباج والحرير، فقال: أفى شك أنت يا عمر؟ أما علمت أنها لهم في الدنيا ولنا في الآخرة، ثم قصصت عليه القصة فتبسم لما سمع قولي لحفصة لا تغتري بابنة أبي قحافة، ثم قلت: طلقت نساءك؟ فقال: لا.
وروى أنه كان آلى من نسائه شهرا، فمكث في غرفته شهرا، فنزل قوله تعالى: " يأيها النبي قل لأزواجك " الآية، فبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعائشة وقال: إني ملق إليك أمرا فلا تبادريني بالجواب حتى تؤامري أبويك، وتلا الآية فقالت: أفيك أؤامر أبوي اخترت الله ورسوله والدار الآخرة، ثم قالت: لا تخبر أزواجك بذلك، وكانت تريد أن يخترن الدنيا فيفارقهن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على نسائه، وكان يخبرهن بما جرى لعائشة فاخترن بأجمعهن الله ورسوله، وهذا التخيير عند العامة كناية في الطلاق عند العامة إذا نويا معا، فإن لم ينويا أو لم ينو أحدهما لم يقع به شئ. وقال قوم: إنه صريح في الطلاق، وعندنا أنه ليس له حكم، واختلفت الشافعية بعد ذلك في أمور:
الأول: هل حرم الله على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طلاقهن بعد ما اخترنه؟ وفيه وجهان:
أحدهما. نعم، كما لو رغبت عنه امرأة حرم عليه إمساكها، ولأنه حرم عليه التبدل بهن في قوله تعالى:" لا يحل لك النساء من بعد " الآية، ومعنى التبدل بهن: مفارقتها ونكاح غيرها.