/ صفحه 369/
لما فيه من تكثير أشخاص النوع، فجعله أصلا في مشروعية النكاح أولى من جعل اللذة البهيمية أصلا فيه، ومدح يحيى (عليه السلام) بذلك في شرعه لا يقتضي أفضليته في شرعنا، ولأنه (عليه السلام) كان مكلفا بالسياحة ومخاطبة أهل زمانه في سائر البلاد فأشغله ذلك عن التعلق بالزوجة وغيرها، والاية لا دلالة فيها، لأنها وردت مورد الذم على حب الشهوات بالكلية، والبيع لا يشتمل على مصالح النكاح ولا يقاربها، والنكاح من أعظم العبادات، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم تزوج وبالغ في العدد وفعل ذلك أصحابه، وإنما ارتكب الأفضل، ولا يجمع الصحابة على ترك الأفضل والاشتغال بالأدنى، ولما فيه من المشاق الحاصلة بإيجاب النفقات وشدة السعي على تحصيل رزق عباد الله تعالى، وتحصين المرأة، وتحصين الدين وإحرازه، واحتقر عابد التزويج، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: " أرأيت لو ترك الناس كلهم التزويج من كان يقوم بالجهاد ويتقي العدو، ويقوم بفرائص الله تعالى وحدوده " ويمنع أنه ليس قربة في نفسه إذا قصد هذا الوجه فيه وطلب الولد الصالح وإن لم يستلزم حصوله، لكنه مندوب إليه، مرغب فيه، إذا ثبت هذا فلا فرق بين الرجل والمرأة في ذلك، وشدة الاستحباب لمن تاقت نفسه إليه منهما، لأن الله تعالى أمر به ورضيه وندب إليه.
المقدمة الرابعة: في خصائص رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
جرت عادة الفقهاء بذكر خصائص النبي صلى الله عليه وآله وسلم هنا في النكاح، ثم سحبوا البحث إلى خصائصه في غيره، ولا شك أن الله تعالى شرف رسوله محمداً عليه أفضل الصلاة والسلام وميزه عن سائر خلقه بأن خصه بأشياء فرضها عليه دون خلقه، لما في أداء الفرائض من الثواب، فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم، وأشياء حظرها عليه خففها عن خلقه، وخفف عنه أشياء حظرها على خلقه، فانقسم ما خص به عليه الصلاة والسلام إلى تخفيف وتغليظ، والتغليظ ينقسم إلى إيجاب وتحريم، فأما الواجبات عليه دون غيره من أمته فهي أمور: