/ صفحه 360/
الورق والنسيج، ويوجد في دار الاثار عند الامم الكبرى ما لا يوجد عند الامم الصغرى، كالصقليين مثلا، يحققون تاريخ رسمها واليد التي رسمتها، ولهم تنافس في اقتناء ذلك غريب، حتى أن القطعة الواحدة من رسم " روائيل " مثلا ربما تساوى مئات من الالاف في بعض المتاحف، ولا يهمك معرفة القيمة بالتحقيق، وإنما المهم هو التنافس في اقتناء الامم لهذه النقوش، وعد ما اتقن منها من أفضل ما ترك المتقدم للمتأخر؛ وكذلك الحال في التماثيل، وكلما قدم المتروك من ذلك كان أعلى قيمة، وكان القوم عليه أشد حرصا، هل تدري لماذا؟.
إذا كنت تدري السبب في حفظ سلفك للشعر وضبطه في دواوينه. والمبالغة في تحريره، خصوصا شعر الجاهلية، وما عنى الأوائل رحمهم الله بجمعه وترتيبه، أمكنك أن تعرف السبب في محافظة القوم على هذه المصنوعات من الرسوم والتماثيل، فإن الرسم ضرب من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر ضرب من الرسم الذي يسمع ولا يرى، إن هذه الرسوم والتماثيل قد حفظت من أحوال الأشخاص في الشئون المختلفة، ومن أحوال الجماعات في المواقع المتنوعة، ما تستحق به أن تسمى ديوان الهيئات والأحوال البشرية، يصورون الإنسان والحيوان في حال الفرح والرضا، والطمأنينة والتسليم، وهذه المعاني المدرجة في هذه الألفاظ متقاربة لا يسهل عليك تمييز بعضها عن بعض، ولكن تنظر في الرسوم المختلفة فتجد الفرق ظاهراً باهراً، يصورونه مثلا في حالة الجزع والفزع، والخوف والخشية، والجزع والفزع مختلفان في المعنى، ولم أجمعهما ههنا طمعا في جمع عينيه في سطر واحد، بل لأنهما مختلفان حقيقة، ولكنك ربما تعتصر ذهنك لتحديد الفرق بينهما وبين الخوف والخشية ـ ولا يسهل عليك أن تعرف متى يكون الفزع ومتى يكون الجزع ـ وما الهيئة التي يكون عليها الشخص في هذه الحال أو تلك. وأما إذا نظرت إلى الرسم وهو ذلك الشعر الساكت فإنك تجد الحقيقة بارزة لك تتمتع بها نفسك، كما يتلذذ بالنظر إليها حسك.
ثم يقول: فحفظ هذه الاثار حفظ للعلم في الحقيقة، وشكر لصاحب الصنعة على الابداع فيها، إن كنت فهمت من هذا شيئاً فذلك بغيتي، وأما إذا لم تفهم فليس
