/ صفحه 359/
وظاهر أن التماثيل التي كانت تصنع لسليمان ليست تماثيل وثنية وشرك، والا لما أبيحت في أي دين الاديان طرفة عين.
والخلاصة أن هذه الآية أجدر بأن تدل على الاباحة لا على التحريم، وشبيه بهذا ما ورد في الكتاب العزيز حكاية عن عيسى: " إني أخلق لكم من الطين... الخ ". فهذا رسول كريم استباح بإذن ربه أن يخلق، أي يصنع تمثالا كهيئة الطير ولو كان ذلك قبيحاً من البشر، لما أذن الله أن يفعله رسول من رسله، ولا يقال إن هذا إنما هو مقام المعجزة في شأن عيسى، لأننا نقول إن المعجزة ليست في صنعته مكوناً عن هيئة الطير، ولكن في النفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله.
ومن يتأمل اسلوب القرآن الكريم في إثبات وجود الله وعظمته، يجد أن هذا الأسلوب يعين على لفت الأنظار إلى ما خلق الله من شئ في السموات والأرض، إلى دقة الصنعة التي تتجلى في النبات، وتتجلى في الحيوان، وتتجلى في الجماد.
فالله تعالى يقول: " قل انظروا ماذا في السموات والأرض " ويقول: " قل سيروا في الأرض ثم انظروا " فكيف يطلب من الناس النظر والتدبر ومشاهدة العجائب من خلقه، وصنع الله الذي أتقن كل شئ للوصول إلى الإيمان بوجود الله ووحدانيته، ثم يمنع المصور أن يصور هذه الاشياء، أو الرسام ان يرسمها، أو النحات أن يمثلها، أليس ذلك كله تمجيداً لصنعة الله وإعرابا عن جمالها ودقتها بريشة الفنان أو آلة المثال، وهل يختلف هذا عن تصوير عجائب خلق الله بالشعر الذي هو أيضا من الفنون؟ إن هذا وذاك ما هو إلا مخاطبة للعاطفة عن طريق ما يسمع إذا قلت شعرا أو نثرا، وعن طريق ما ينقش إذا رسمت أو مثلت أو صورت، وعن طريق ما ينظر إذا سرت في الأرض ثم تأملت.
* * *
ويجدر بي هنا أن أنقل رأى الإمام محمد عبده في ذلك الموضوع (1).
قال الإمام: " لهؤلاء القوم حرص غريب على حفظ الصور المرسومة على

*(هوامش)*
(1) نقلا عن تاريخ الإمام السيد رشيد رضا ص 498 ج 1.