/ صفحه 358/
فإن أحدا لا ينازع في أن اتخاذ الأوثان وصناعتها ترويجاً للوثنية والشرك أمر محرم إجماعا، فليكن هذا النوع من التماثيل محرما، ولكن لا يصح أن نطلق معه القول بتحريم جميع التماثيل حتى التي لم يقصد بها ولا يفهم منها أي معنى من معاني الوثنية.
2 ـ ورد في سورة سبأ إخباراً عن سليمان (عليه السلام) وما يسره الله له قوله عزوجل: " يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعلموا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور ".
وقد سبق لنا أن ذكرنا أن هناك فريقاً من العلماء يرى إباحة التصوير بجميع أنواعه مجسما أو غير مجسم استناداً إلى هذه الآية، والذين يمنعون ويحرمون يستندون إلى أن حكم الإباحة إنما هو في شريعة غير شريعتنا، وقد حرمت الصور والتماثيل في شريعتنا.
والواقع أن المسألة لا يمكن أن تمر بهذه السهولة استناداً إلى الأحاديث التي شرحناها وناقشنا آراءهم فيها، وأن الآية الكريمة التي تذكر هذا عن سليمان، يدل سياقها على تمجيد نعم الله تعالى على سليمان، وتعديد مظاهر الحاضرة والرقي الصناعي في عهده، فهي تذكر المحاريب والتماثيل والجفان والقدور، كما ذكرت من قبل تسخير الريح غدوها شهر ورواحها شهر، وكما ذكرت من قبل نعم الله على داود أبي سليمان من إلانة الحديد له، وأسالة عين القطر، وتأويب الجبال معه والطير.. الخ وقد ختم ذلك كله بقوله تعالى: " اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور " فاعتبر أن هذا كله نعم تستحق الشكر، وطلب أن يكون هذا الشكر أعمالا إيجابية، فلم يقل: اشكروا يا آل داود، ولكن قال: اعملوا شكراً.
ويبعد ان يباح لنبي من الانبياء شئ ويمجد هذا التمجيد، ويعد نعمة تستحق الشكر العملي، ثم يقال إن هذا مما نسخته شريعة الإسلام، لان شريعة الإسلام ما جاءت لتنسخ مثل هذا، وإنما تمنع عنهم اصرهم والأغلال التي كانت عليهم، وليس هذا من قبيل الإصر والأغلال، وإنما هو من قبيل الرقي الصناعي والفن.