/ صفحه 356/
روايات أخرى أحادية لا تقيد القطع تضيف إلى هذا القدر المشترك شيئا آخر هو أنه " يقال لهم أحيوا ما خلقتم ".
فإذا قطعنا النظر عن هذه الزيادات لم يبق معنا إلا الاخبار بتعذيب المصورين في مثل قوله: " إن أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون " وهنا يقول أبو علي الفارسي: " إن المراد بالمصورين الذين يكونون أشد الناس عذابا يوم القيامة هم فرقة المجسمة التي ترى أن الله تعالى جسم ويشبهونه بما خلق، هؤلاء قد خالفوا صريح القرآن في مثل قوله تعالى: " ليس كمثله شئ "، " ولم يكن له كفواً أحدا "، فاستحقوا أشد العذاب لأنهم افتروا على الله في أمر من أمور العقيدة، بل هو أمم عقيدة من العقائد التي جاءت بها الاديان لاتصالها بذات الله جل وعلاه، لذلك يكون مفهوماً أنهم يستحقون أشد العذاب تبعاً لعظم جريمتهم وشناعتها، ولا يعقل أن يكون مجرد تصوير صورة مجسمة تبعاً لعظم جريمتهم وشناعتها، ولا يعقل أن يكون مجرد تصوير صورة مجسمة أو مرقومة سبباً في نظر الشارع لاستحقاق أشد العذاب بهذا الاطلاق، فأين هذا من جريمة الزنا مثلا، أو من جريمة قتل النفس التي حرم الله قتلها، أو غير ذلك من الجرائم العظمى، ويجدر بنا أن ننقل كلام أبي علي نفسه بعد أن قدمنا له بهذه المقدمة.
قال أبو علي الفارسي في كتابه " الحجة " (1):
فأما قوله: " ثم اتخذوا العجل " وقوله: " باتخاذكم العجل "، " اتخذوه وكانوا ظالمين "، " واتخذ قوم موسى من بعده حليهم عجلا جسداً " فالتقدير في ذلك كله: اتخذوه إلهاً، فحذف المفعول الثاني.
والدليل على ذلك أن الكلام لا يخلو من أن يكون على ظاهره، كقوله: " مثل العنكبوت اتخذت... " أو يكون على إرادة المفعول.
فلا يجوز أن يكون على ظاهره دون إرادة المفعول الثاني لقوله عزوجل: " إن الذين اتخذوا سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا ".
ومن صاغ عجلا أو نجره أو عمله بضرب من الأعمال لم يستحق الغضب من الله

*(هوامش)*
(1) مخطوط بدار الكتب تحت رقم 462 " مصور " ص 356 ج 1.