/ صفحه 353/
بذلك يتبين ان السر الذي دعا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى كراهيته الستر في الحديث الذي نتحدث عنه، وفي طلب تأخير ستر آخر عنه كان منصوبا في مكان واضح في مدخل البيت يستقبله المستقبل، أو في مكان يتجه إليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين يصلي، كما تذكر الروايتان الاخريان، كل هذا يؤذن بأن السر هو كراهيته الدنيا، والترفع عن متاعها وما يشغل القلب منها تورعاً وتكملا، فليس له صلة بالصورة أو الصور التي في هذا الستر أو ذاك.
2 ـ عن ابي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أتاني جبريل فقال: إني كنت أتيتك الليلة فلم يمنعنى أن أدخل البيت الذي أنت فيه إلا أنه كان فيه تمثال رجل، وكان في البيت قوام ستر فيه تماثيل، وكان في البيت كلب، فمر برأس التمثال الذي في الباب يقطع يصير كهيئة الشجرة، وأمر بالستر يقطع فيجعل وسادتين منتبذتين توطآن، وأمر بالكلب يخرج. ففعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك، وإذا بالكلب جرو، وكان الحسن والحسين تحت نضد لهما ". رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وصححه وأخرجه النسائي.
وكل ما ذكر في هذا الحديث أن جبريل (عليه السلام) امتنع عن دخول البيت وفيه هذه الاشياء، فلقائل ان يقول: هل كان امتناعه كراهية للصور والتماثيل والكلب؟ أو كان لما يدل عليه ذلك من اتجاه إلى اتخاذ هذه الاشياء، وما لها من دلالة على التأنق والترفة واللهو، بينما يراد من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يكون بعيدا عن كل ما يجعله كالرؤساء الذين يقصدون إلى الفخامة والعلو.
نعم إن الحديث تصريحا بأن جبريل أمره بأن يقطع رأس التمثال، وأن يقطع الستر فيحوله إلى وسادتين، وأن يخرج الكلب، ولكن ذلك في رأينا لا يقصد به إلا إلى ابطال اتخاذ هذه الاشياء على الوضع الذي اتخذت عليه، ترفيعا لمقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن مظاهر العلو المصطنعة على سنة الرؤساء والكبراء من أهل الدنيا! ولا شك أن هناك فرقا بين اتخاذ ستر فيه تصاوير، وتحويل هذا الستر إلى وسادتين ينتفع بهما وتبطل معهما الدلالة على التزيد والتمتع، كما ان قيام تمثال رجل يؤذن بلون من ألوان التأنق والتكثر والزينة، وكذلك اقتناء كلب صغير بدون
