/ صفحه 352/
1 ـ عن عائشة انها نصبت ستراً وفيه تصاوير، فدخل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنزعه، قالت: فقطعتها وسادتين فكان يرتفق عليهما ـ متفق عليه، وفي لفظ أحمد: فقطعته مرفقتين فلقد رأيته متكئاً على إحداهما وفيها صورة.
وهذا الحديث يذكر كلمة " تصاوير " فهل يتحتم ان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كرهه ونزعه لمجرد ان فيه تصاوير؟
إننا لا نستطيع أن نقر ذلك، لان الحديث نفسه يذكر أن أحدى المرفقتين قد بقيت منها صورة، وأنه قد اتكأ عليها، مع بقاء هذه الصورة، فلو كانت الكراهية والنزع موجهة ضد التصوير والصورة لكان الحكم بالتحريم قريبا، ولو كان النص دالا على أن الستر حين قطع أزيلت الصورة أو فسد وضعها كصورة لكان الأمر مقبولا، ولكن الصورة بقيت والرسول اتكأ عليها، فلابد لنا ان نلتمس سراً آخر لانتزاع الرسول للستر، ولتقطيع عائشة أياه وسادتين، وذلك السر في نظرنا هو كراهية النبي صلى الله عليه وآله وسلم للترفه، واتجاهه لأن يكون بيته خالياً من وسائل الزينة والنعيم، وليس ذلك لأن الزينة والنعيم والمستوى الرفيع في اتخاذ الستور والبسط وما إليها محرم على المؤمنين، وإنما هو لموضع القدوة في حق الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فالأولى ألا يفعل ذلك.
وهذا الذي نقرره تدل عليه رواية أخرى ـ فقد روى مسلم عن عائشة قالت: كان لنا ستر فيه تمثال طائر، وكان الداخل إذا دخل استقبله، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: حولي هذا، فإني كلما دخلت فرأيته ذكرت الدنيا.
وفي رواية أخرة عنها: " أنه كان لها ثوب فيه تصاوير ممدودة إلى سهوة ـ والسهوة بيت صغير منحدر في الأرض قليلا شبيه بالمخدع ـ فكان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي إليه ـ أي أنه كان تجاهه وهو يصلي مستقبلا القبلة ـ فقال: أخريه عني، قالت: فأخرته فجعلته وسادتين ".
قال القرطبي معلقاً على ذلك: قال بعض العلماء: ويمكن أن يكون تهتيكه (عليه السلام) الثوب وأمره بتأخيره ورعاً، لأن محل النبوة والرسالة الكمال، فتأمله: ص 274 ج 14.
