/ صفحه 351/
استناداً إلى ما جاء في قوله تعالى عن نبيه سليمان (عليه السلام): " يعملون له ما يشاء من محارب وتماثيل " قالوا ان التماثيل هو كل ما صور على صورة حيوان أو إنسان، وقالوا كان لسليمان أنواع من التماثيل من زجاج ونحاس ورخام، وإن بعضها كان يمثل صور أنبياء تقدموا أو علماء أو صلحاء، وبعضها كان يمثل حيوانات أخرى، كما يروي أنه كان يجلس على كرسي يقوم على أسدين من أسفله ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما، وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما، أي أنها لم تكن مجرد تماثيل ساكنة، ولكنها كانت تماثيل ذات حركات معينة.
وهذا الرأي حكاه مكي (1) في الهداية، وذكره النحاس (2) قبله.
وكما استدلوا لذلك بفعل سليمان، استدلوا له ايضا بفعل المسيح (عليه السلام) الذي حكاه عنه القرآن في قوله تعالى: " إني أخلق لكم من الطين كهيأة الطير فأنفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله ".
وقد ذكرت هذه الاراء في تفسير القرطبي، وإن كان قد روى ما يعارضها ويقرر خطأها ص 274 ج 14.
والواقع أن لكل فقيه أو عالم من هؤلاء وجهة فيما ذهب إليه، وأن هناك طائفة من الأحاديث النبوية يتبادلها أصحاب هذه الاراء ويستندون إليها.
وسبيلنا في هذا الأمر الذي وقع فيه الاختلاف ان نرده إلى الله ورسوله، عملا بقوله تعالى: " فإن تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول ان كنتم تؤمنون بالله واليوم الأخر ذلك خير وأحسن تأويلا ".
فلنستعرض أهم ما ورد في هذا الباب من الكتاب والسنة لنعلم الحقيقة، ولنبدأ بما ورد في السنة لكثرته وكثرة ما دار حوله، فمن ذلك:

*(هوامش)*
(1) هو مكي بن ابي طالب محوش بن محمد بن مختار المغربي القارئ النحوي صاحب الهجاية إلى بلوغ النهاية (تفسير) ولد سنة 355 هـ، وتوفي سنة 437هـ، (كشف الظنون ص 455 ج 1 ـ بغية الوعاة للسيوطي ص 396).
(2) ويعرف أيضا بابن النحاس، وهو أبو جعفر أحمد بن محمد بن إسماعيل بن يونس المرادي النحوي المعصري، توفي سنة 338هـ، (كشف الظنون ص 460 ج 1 بغية الوعاة ص 157).