/ صفحه 346/
ظهور البديع، وأبطاله الأولون: مسلم بن الوليد، فهو عند صاحب الموازنة (1) أول من تكلف البديع، وأخذ نفسه بالصنعة، وهو زهير المولدين، وأول من أفسد الشعر بالبديع، وبشار بن برد وابن هرمة، وكان بديعهما مستساغا مقبولا لظهور الطبع في شعر بشار، ولاقتصاد ابن هرمة في البديع، ثم انتهى علم البديع إلى ابن المعتز بعد أن عبث أبو تمام بالشعر في تحميله من البديع أوزارا، وإيقاعه منه في شر مستطير.
ويرى ابن رشيق أن ابن المعتز ألطف أصحابه شعرا، وأكثرهم بديعاً وافتنانا، وأقربهم قوافي وأوزانا، ولا أرى وراءه غاية لطالبها في هذا الباب (2).
أما عبد القاهر الجرجاني فيرى ان ابن المعتز كان ينظم الشعر ليلهو به، ولم يكن من المطبوعين (3).
وأيا ما كان فقد أصبحت الصنعة الشعرية ـ كما يقول ابن رشيق ـ ظاهرة فنية مقصودة، وتهذيبا أدبياً واسعاً للشعر، ومذهباً جديداً مأثوراً على يد المحدثين عامة (4).
استنباط الدقيق من الافكار، وتصريف المعاني، والاستقصاء في تمام المعنى، وأستاذ هذه الطريقة ـ غير منازع ـ هو ابن الرومي.
بروز الآراء الفلسفية، وسياقها مساق القضايا المسلمة، وإشاعة الحديث عن الحياة ومشاكلها، وسيد الشعراء في هذه الحلبة أبو العلاء.
وقبل أبي العلاء ظهر الشعر الزهدي، هذا الشعر الذين يبغض في العيش، ويحبب في الموت، ويدعو إلى الاقصار من الامال، ويعتبر هذا الشعر ترديداً لكلام الزهاد الذين أشاعوا في النفوس كثيرا من الخوف والقلق، ودعوها إلى التخلي عن مباهج الحياة وزينتها، والشاعر المجلي في هذا الباب هو أبو العتاهية، وقد سلك في شعره أنسب الطرق لهذا النوع من الشعر، وهو طريق السهولة والواقعية ـ كما أسلفنا ـ.
*(هوامش)*
(1) هو الحسن بن بشر الامدي المتوفي سنة 370 هـ.
(2) العمدة ج 1 ص 109
(3) أسرار البلاغة ص 262.
(4) العمدة ج 1 ص 173.
