/ صفحه 345/
المغرب، فإذا اضفنا إلى ذلك أن كل أساتذته كانوا من علماء الفقه أو النحو أو الفلسفة، وان هذه العلوم ـ كما يقول هو ـ تبعد عن تكوين ملكة عربية عالية.
وأنا أتهم ابن خلدون نفسه في ذوقه، فالرجل يفضل الشعراء الاسلاميين مثل حسان بن ثابت، وابن أبي ربيعة، والحطيئة، وجرير، والفرزدق، وبشار، على الشعراء الجاهليين مثل النابغة، وعنترة، وزهير، وطرفة، ويرى أن شعر الاسلاميين أرفع طبقة في البلاغة من شعر الجاهليين، وأن كلامهم في نظمهم ونثرهم أحسن ديباجة، وأصفى رونقا، وأرصف مبنى، وأعدل تثقيفا من أولئك، ويجعل السر في ذلك ما استفادوه من الكلام العالي الطبقة: القرآن والحديث.
وقد غفل ابن خلدون عن " الطبع " وعن أن كثيراً من هؤلاء الشعراء الاسلاميين لم يظهر تأثرهم بالقرآن واضحاً، بل لعل الحطيئة والفرزدق وذا الرمة كان تأثرهم بالشعر الجاهلي أظهر وأوضح من تأثرهم بالقرآن والحديث.
وغفل كذلك عما أجمع عليه النقاد من أن شعر حسان لان وضعف بعد الإسلام.
وابن خلدون نفسه يتهم ذوقه، فقد قال لصديقه لسان الدين بن الخطيب: أجد استصعابا على في نظم الشعر متى رمته مع بصري به، وحفظي للجيد من الكلام من القرآن والحديث، وفنون من كلام العرب، وإن كان محفوظاً قليلا، وإنما أتيت ـ والله اعلم ـ من قبل ما حصل في حفظي من الأشعار العلمية، والقوانين التأليفية، وبعد أن عدد كتبا حفظها، قال: فامتلأ محفوظي من ذلك، وخدش وجه الملكة التي استعددت لها بالمحفوظ الجيد.
وإذا كان ابن خلدون فلتة في عصره لما حصله من العلوم والمعارف، وما ابتكره من النظريات، فإن الرجل لم يكن ذواقة، ولذلك تابع شيوخه في الحكم على المتنبي وأبي العلاء بأن ما نظماه ليس من " الشعر" (1).
* * *
ويمكن أن نلخص مظاهر التجديد في العصر العباسي في هذه الامور:

*(هوامش)*
(1) لخصت هذه الاراء من فصول كتبها ابن خلدون في (المقدمة) عن فني النظم والنثر في أخريات الكتاب.