/ صفحه 347/
الاغراق في الخيال، والمبالغة في اداء المعاني، والاكثار من الاستعمارات والكنايات، وتكاد تكون هذه المظاهر عامة عند شعراء العصر العباسي، وإن كانت مبالغات المتبني جاوزت الحد المعقول، مما كان أسوة سيئة للشعراء الذين جاءوا بعده في عصر الانحطاط، كما كان أبو تمام قبلة أصحاب المعاني وقدوة أهل البديع.
من ناحية الشكل وقع تجديد في الأوزان والقوافي، فقد جدت أوزان جديدة، ونشأت ضروب في الشعر لم تكن معروفة، وسنتحدث عنها في موضعها من هذا البحث.
وقد كان بعض هذه المظاهر مما أساء إلى الشعر العربي كتعمد الفلسفة إلى درجة الغموض، والمبالغات إلى درجة الاحالة، والتصوير إلى درجة الاغراب.
وقد نقلت ألفاظ أعجمية بحالها دون أن تصقل حتى توائم الألفاظ العربية، وظهر كثير من الألفاظ المعربة، كما وجد في الشعر بعض ألفاظ السخف والبذاء، على نحو ما نراه في شعر ابن حجاج وابن سكرة وابن الرومي.
وكان من الطبيعي أن يكون لكل مظهر من هذه المظاهر أصدقاء وخصوم، مدافعون ومهاجمون، فما جدت فكرة من هذه الفكر حتى قابلها بعض النقاد ـ أول الأمر ـ بالاستنكار، وقابلها بعض آخر بالترحيب والإعظام، ثم رمي الأولون الآخرين بالتحلل، والخروج عن الجادة، ورمي الاخرون الأولين بالجمود والرجعية.
كم وجد بين هؤلاء الأدباء الذين آثروا التجديد، ورغبوا فيه، ولو كان سخفاً من السخف، وجد فيهم من يشمخ بأنفه، ويتعالى على معاصريه وأقرانه، ويقول: " أنا اللغة ".
