/ صفحه 344/
أسقي طلولهم أجشّ هزيم وغدت عليهم نضرة ونعيم
أو سؤاله السقيا لها من البرق كقوله:
يا برق طالع منزلا بالأبرق واحد السحاب لها حداء الأينق
وكأن ابن خلدون يرى أن سؤال الطلل بغير هذه الطرق خروج عن الأسلوب العربي.
ومن عجب أنه يعد أبا تمام من الفحول الإسلاميين، ذلك الشاعر الذي أثقل شعره بالبديع، وعقده بالغوص عن المعاني، والذي قال فيه بعض الرواة من المتقدمين: ان كان الشعر ما يقوله أبو تمام فليس معنا منه شئ، وإن كان الشعر ما يقوله العرب فليس مع أبي تمام منه شئ.
ويستند ابن خلدون في كل أحكامه إلى " الذوق " فهو ـ مثلا ـ حين يفضل الشعراء الإسلاميين على الشعراء الجاهليين يقول: والطبع السليم والذوق الصحيح شاهدان بذلك للناقد البصير بالبلاغة، ويقول مرة أخرى: وتأمل ذلك يشهد لك به ذوقك إن كنت من أهل الذوق والبصر بالبلاغة.
وتتم صورة الأسلوب كما كان في ذهن ابن خلدون بقراءة هذه القصة التي ساقها، قال: إنه أنشد أحد أصحابه مطلع قصيدة ولم ينسبها وهو هذا:
لم أدر حين وقفت بالأطلال ما الفرق بين قديمها والبالي
فقال له على البديهة: هذا شعر فقيه، فسأل ابن خلدون: ومن أين لك ذلك؟ فقال من قوله: ما الفرق، إذ هي من عبارات الفقهاء، وليست من أساليب كلام العرب، قال: فقلت له: لله أبوك، إنه ابن النحوي.
وإذن فطريقة شاعري العربية المتنبي وأبى العلاء ليست هي طريقة العرب في شعرهم، كما قال شيوخ ابن خلدون، وأقرهم هو عليه.
والذي عندي أن شيوخ ابن خلدون وتلميذهم، أخطأوا وجه الصواب، ولعل مما يعيننا على ذلك لم أجد في ثبت أساتذته من اشتهر بالأدب، ونحن نعلم أن القرن الذين عاش فيه ابن خلدون كان عصر تخلف في الأدب، لا سيما في بلاد