/ صفحه 343/
ولا طلاب الغريب، وهو مذهب أشغف الناس به الزهاد، وأصحاب الحديث، والفقهاء، واصحاب الرياء، والعامة، وأعجب الأشياء ما فهموه.
ويجئ المتنب وأبو العلاء فينكر عليهما المتزمتون خروجها على أصل الشعر العربي، مما جعل ابن خلدون يقول: فما كان من الكلام منظوما وليس على تلك الاساليب ـ يريد أساليب القدماء ـ فلا يكون شعراً، وبهذا الاعتبار كان الكثير ممن لقيناه من شيوخنا في هذه الصناعة الأدبية يرون أن نظم المتنبي والمعري ليس هو من الشعر في شئ ؛ لأنهما لم يجريا على أسلوب العرب.
ثم يعود فيؤكد هذا الحكم، وينسبه في هذه المرة إلى " شيوخه " لا إلى " الكثير " ويضيف أنهم ـ أي شيوخه ـ كانوا يعيبون شعر " ابن خفاجة " لكثرة معانيها وازدحامها في البيت الواحد، وهو يرى أن في ذلك نوع تعقيد.
وقد أردت أن أفهم ما هو " أسلوب العرب " في نظر ابن خلدون، ذلك الأسلوب الذي لم يجر عليه المتبني وأبو العلاء، فرأيته يذكر أنه " الموال الذي تنسج فيه التراكيب أو القالب الذي تفرغ فيه " وليس راجعاً ـ في نظره ـ إلى الاعراب، ولا إلى البلاغة والبيان، ولا إلى العروض، فإن هذه العلوم الثلاثة ـ كما يقول ـ خارجة عن هذه الصناعة الشعرية، وإنما يرجع الأسلوب ـ عنده ـ إلى صورة ذهنية للتراكيب المنتظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص، وتستفاد هذه الصورة من تتبع التراكيب في شعر العرب ونثرهم، وليست معرفة القونين البلاغية كافية لذلك، لأن قوانين البلاغة إنما هي قواعد علمية قياسية تفيد جواز استعمال التراكيب على هيئتها الخاصة بالقياس.
وهو يضرب في هذا الموضع مثلين لتصرف العرب في أساليبهم ـ مثلا ـ سؤال الاطلال يجئ عندهم على أنحاء مختلفة، فهو ـ في الشعر ـ يكون بخطاب الطلول، كقوله: (يا دارمية بالعلياء فالسند) ويكون باستدعاء الصحب للوقوف والسؤال، كقوله: (قفا نسأل الدار التي خف أهلها) أو باستبكاء الصحب على الطلل، كقوله: (قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل) أو بالاستفهام عن الجواب لمخاطب غير معين بتحيتها، كقوله: (حي الديار بجانب العزل) أو بالدعاء لها بالسقيا كقوله:
