/ صفحه 342/
وكذلك لم يعرف العربي إلا القبيلة، يشيد بمناقبها، ويذيع مفاخرها، ويدافع عنها، ولم تكن هناك أهداف مرسومة يناضل دونها غير عزة القبيلة وسيادتها، وانتصافها ممن اعتدى عليها، ثم جاء الإسلام، ولم يمكث إلا نحو نصف قرن حتى تفرقت الأمة شيعاً وأحزاباً، ونشأ الشعر السياسي، وأخذ الشعراء يدافعون عن مذاهب سياسية خاصة، ويتعرضون للخلافة، ومن يكون أحق بها، وينعى كل فريق على الأخر استئثاره بالسلطة، وطلبه ما ليس له بحق، وهكذا. فكان هذا ايضاً تطوراً جديداً في الشعر العربي.
* * *
ثم جاء العصر العباسي، فكانت مظاهر التجديد فيه واضحة بارزة، وتعددت هذه المظاهر:
فأبو نواس يدعو إلى ترك الوقوف على الأطلال، والدمن البوالي، ويعيب على العرب بكاءهم واستبكاءهم الصحب، ويعرض ذلك حيناً في معرض الجد، وحيناً في معرض السخرية:
قل لمن يبكي على رسم درس واقفاً ما ضر لو كان جلس
ـ
عاج الشقي على رسم يسائله وعجت أسأل عن خمارة البلد
يبكي على طلل الماضين من أسد لادر درك قل لي من بنو أسد؟!
لاجف دمع الذي يبكي على حجر ولا صفا قلب من يهفو إلى وتد
ومسلم بن الوليد يهتدي إلى ما سمى ـ فيما بعد ـ " بالبديع " ويجئ أبو تمام فينغمس في هذا البديع انغماسا، ويظهر ابن الرومي مفلسفا الشعر، مالئا إياه بالفكر، وهو أكثر الشعراء اختراعا للمعاني، ويدافع أبو العتاهية عن طريقته السهلة في الزهد، ويرى أنها هي المثلى فيقول: " لأن الشعر ينبغي أن يكون مثل أشعار الفحول المتقدمين، أو مثل شعر بشار وابن هرمة، فإن لم يكن كذلك فالصواب لقائله أن تكون ألفاظه مما لا تخفى على جمهور الناس مثل شعري، ولا سيما الأشعار التي في الزهد، فإن الزهد ليس من مذاهب الملوك، ولا من مذاهب رواد الشعر،
