/ صفحه 341 /
ولا سلك شعبا من شعاب البلاغة، ولمجت الاسماع كل مردد مكرر، وللفظت القلوب كل مرجع ممضغ".
فابن فارس لا يقف في سبيل التجديد في كل العلوم، ولكنه ـ في رأينا ـ يقف في سبيل التجديد الذي يضر بالعقيدة، ويرق الدين.
* * *
وكل حديث في وقته سيصبح قديما بتطاول الزمان، ففي كل عصر قديم وحديث وقد نشأ الكلام في الأدب العربي أو ما نشأ في إعراض الرواة عن شعر عدي ابن زيد، وأبي داود الايادي ـ كما أسلفت ـ ولا شك أن النغمة تجددت حين نشأ هؤلاء الشعراء الذين سموهم " عبيد الشعر " فقد انتقل الشعر بهؤلاء من دور الطبع إلى دور الصنعة والتكلف، فالشاعر الذي يبدأ خطبته نثرا فتصير شعرا، كما فعل الحارث بن حلزة ـ فيما حدثوا ـ غير الشاعر الذي يبيت بجمع شمل قصيدته، ويظل ينظر فيها ليقوم ما بها من عيوب:
وقصيدة قد بت أجمع شملها حتى أقوم ميلها وسنادها
نظر المثقف في كعوب قناتة حتى يقيم ثقافة منآدها
وفي مبدأ الدعوة الإسلامية طرأ على الشعر ما يمكن ان يحدث معركة بين القديم والجديد لو كان الناس فارغين كفرا غنا اليوم للحديث عن الأدب وتطوره، ولا شك أن ظهور الشعراء الغزلين من أمثال جميل بن معمر، وكثير عزة، ووضاح اليمن، والشعراء السياسيين المدافعين عن أحزابهم من جماعية وخوارج وشيعة، لا شك أن ظهور هؤلاء كان حدثا جديداً في الأدب العربي.
فلم يكن الشعراء الجاهليون يعتبرون الغزل غرضا مستقلا بذاته، ولذلك لا نجد قصيدة قصرت على الغزل إلا ما حدثوا عن قصيدة للمرقش الأكبر، وربما كانت كغيرها من القصائد ثم ضاعت بقيتها، ولم يبق منها إلا مطلعها، كما أن الغزل الجاهلي كان ماديا يدور حول جسد المرأة، والتمتع بها، ثم جاء الشعراء الاسلاميون فجعلوا من الغزل فناً راقياً مستقلا، وتحدثوا عن خلجات نفوسهم ولواعجهم وآلامهم، وكان منهم العذريون الذين أحبوا فعفوا فماتوا، فكان ذلك نغما جديداً في الشعر العربي.
