/ صفحه 340/
منهم رأيا، ويعنف في النضال دونه، ويتمادي في الخصومة من أجله، ثم يعدل عنه بعد زمن طويل أو قصير، ويرى ضد هذا الرأي، والأمثلة في عصرنا قريبة التناول.
مع هذا أرى أن تمسك ابن فارس بالقديم كان في ناحية، ودفاعه عن الجديد كان في ناحية أخرى.
تمسك ابن فارس بالقديم فيما يتعلق بالعقيدة وببعض العلوم، وإذا كان يفضل العروض على الفلسفة، فذلك لما يظن من خطر الفلسفة على العقيدة، وليس ابن فارس وحده من العلماء هو الذي نعى على أبحاث المناطقة في " الاعداد والخطوط والنقط " التي لا يعرف لها فائدة ـ كما يقول ـ والسر العميق في نفسه وفي نفوس غيره ممن أنكرها أنها مع قلة فائدتها ترق الدين، وتنتج كل ما نعوذ بالله منه.
ودافع ابن فارس عن الجديد حين اتصل الأمر بالأدب، بل على وجه الخصوص بالتأليف في الأدب، فقد بلغه أن ابن سعيد أنكر على أبي الحسن محمد بن علي العجلي تأليف كتاب في الحماسة، فعجب لذلك، وكتب إليه يحجه، ويقول له: " ومن ذا حظر على المتأخر مضادة المتقدم؟ ولم تأخذ بقول من قال: " ما ترك الأول للآخر شيئا " وتدع قول الأخر: " كم ترك الأول للآخر "؟ وهل الدنيا إلا أزمان، ولكل زمن منها رجال؟ وهل العلوم بعد الأصول المحفوظة إلا خطرات الأفهام ونتائج العقول؟ ومن قصر الاداب على زمان معلوم؟ ووقفها على وقت محدود؟ ولم لا ينظر الأخر مثل ما نظر الأول حتى يؤلف مثل تأليفه، ويجمع مثل جمعه، ويرى في كل ذلك مثل رأيه؟ ولم جاز أن يقال بعد أبي تمام مثل شعره، ولم يجز أن يؤلف مثل تأليفه؟.
والرسالة كلها في هذا الاتجاه، ونحن نعرف تحرج ابن فارس في كل ما يتصل بالعقيدة، أما الاداب، واما التأليف فيها بخاصة فأمر لا ينبغي حظره على المتأخر، وقد وردت في الرسالة إشارات إلى وجوب الاجتهاد في التأليف، والزيادة على ما كتب المتقدمون " ولو اقتصر الناس على كتب القدماء لضاع علم كثير، ولذهب أدب غزير، ولضلت أفهام ثاقبة، ولكلت ألسن لسنة، ولما توشى أحد لخطابة،