/ صفحه 339/
مقارنا بين شعر له سخيف، وآخر جيد رصين، يقول " وليس لقدم عهد يفضل القائل، ولا لحدثان عهد يهتضم المصيب، ولكن يعطى كل ما يستحق ".
فهو يعد الفرزدق من المتقدمين: ثم يعد أبا نواس من المحدثين، فقد ذكر له أبياتاً في صفة الخمر، ثم قال: فهذه قطعة من التشبيه غاية على سخف كلام المحدثين، بل عيد بشار بن برد المتوفي سنة 167 هـ من المحدثين، ومن ذلك قوله: ومن تشبيه المحدثين المستطرف قول بشار: (1)
كأن فؤاده كرة تنزى حذار البين إن نفع الحذار
هذا، وقد توفي أبو العباس في سنة 285 هـ.
* * *
ثم يأتي القرن الرابع وتتجدد المشكلة، ويتصارع أنصار القديم والحديث، ويبدو التطرف في أقوال كل من الفريقين، بل يبدو التطرف في رأي العالم الواحد في فترتين مختلفين، ولنضرب المثل بأحمد بن فارس المتوفي سنة 390 هـ، يقول الدكتور زكي مبارك: " يحار الباحث في تحديد حياة ابن فارس العقلية، ومرجع هذه الحيرة هو ظهور هذا الرجل بلونين مختلفين كل الاختلاف. أما سبب هذه الحيرة فهو إغفال المتقدمين تاريخ آثار هذا اللغوى الأديب، فقد نعرف أنه راجع كتاب " الصاحبي " في سنة 382 هـ، ولكننا لا نعرف في أي سنة من سني حياته العلمية وضع رسالته في الرد على محمد بن سعيد الكاتب، والفرق بعيداً جداً بين رسالته هذه، وكتابه ذاك، فهو في " الصاحبي " رجل حذر هيوب يحسب مسايرة العقل جريمة، وبعد التفكير من حملة الذنوب، ولكنه في رسالته إلى ابن سعيد باحث مملوء بالغيرة والحمية لكل حق، ولكل جديد " (2).
ومع أن من الممكن تعليل هذا الاختلاف، فتزول الحيرة، وذلك أن الإنسان ولا سيما العلماء الباحثون، تتغير آراؤهم، وتتناقض نظراتهم، فقد يرى الواحد

*(هوامش)*
(1) الكامل ج2 ص 44، 45، ط: التجارية سنة 1355 هـ.
(2) النثر الفني في القرن الرابع ج 2 ص 32، الطبعة الأولى.