/ صفحه 338/
وابن قتيبة عاش في القرن الثالث الهجري، وتوفي في السنة الأولى من الربع الاخير من هذا القرن، وبذلك نعرف ماذا عني بالقديم، وماذا عني بالحديث.
وقد يتبادر إلى بعض الاذهان أن القديم في نظره ـ كما هو في نظر من سبقه من العلماء والرواة ـ هو الشعر الجاهلي، وكذلك كان يرى أبو عمرو بن العلاء ـ مثلا ـ فإنه لم يستشهد ببيت إسلامي طوال عشر سنوات، كما ذكر الأصمعي، وكان يرى أن الفرزدق وجريراً والأخطل من المحدثين، ولكن عبارات ابن قتيبة تشير إلى أن القديم هو ما سبق زمنه، والحديث هو ما قيل في عصره أو قريبا منه، فانه ـ كما يقول ـ رأى بعضه علمائهم يعيبون الحديث، ولا عيب له إلا أنه قيل في زمانه ورأى قائله، ويقول: وجعل " الله " كل قديم منهم حديثا في عصره، وكل شريفا خارجيا (1) في أوله، فقد كان جرير والفرزدق والأخطل يعدون محدثين، وكان أبو عمرو بن العلاء يقول: لقد نبغ هذا المحدث وحسن، حتى لقد هممت بروايته، ثم صار هؤلاء قدماء عندنا ببعد العهد منهم. وكذلك يكون من بعدهم لمن بعدنا، كالخريمي، والعتابي، والحسن بن هانئ.
فنرى أن ابن قتيبة يحدد القديم " ببعد العهد " والحديث بقربه، وليست المعاصرة عنده هي الحد الفاصل، فإن هؤلاء الشعراء الثلاثة الذي ذكرهم لم يعاصروا ابن قتيبة، فبعضهم توفي وابن قتيبة لم يولد بعد، كالحسن بن هانئ وهو أبو نواس، فقد كانت وفاته في سنة 198 هـ، وابن قتيبة ولد سنة 213هـ، والعتابي توفي سنة 220هـ، فكان ابن قتيبة حينئذ في سن الثامنة.
ثم أكد ابن قتيبة حكمه ووضحه، وذكر نهجه وطريقته في اختيار الشعر فقال بعد ما تقدم: " فكل من أتى بحسن من قول أو فعل ذكرناه له، وأثنينا عليه به، ولم يضعه عندنا تأخر قائله، ولا حداثة سنة، كما أن الردئ إذا ورد علينا للمتقدم أو الشريف لم يرفعه عندنا شرف صاحبه ولا تقدمه ".
وكذلك فعل معاصره أبو العباس المبرد، فنراه وهو يتحدث عن الفرزدق

*(هوامش)*
(1) الخارجي ـ هنا ـ من يسود بنفسه من غير ان يكون له قديم.