/ صفحه 335 /
ثم يقول: " وتقدم إلى من وليت إلا يكون عسوفاً لأهل عمله، ولا محتقراً لهم، ولا مستخفاً بهم، ولكن يلبس لهم جلباباً من اللين يشوبه بطرف من الشدة، من غير أن يظلموا، أو يحملوا ما لا يجب عليهم، وعليه أن ينصف المظلوم، ويشتد على الظالم، ويعفو عن الناس، فإن ذلك يدعوهم إلى الطاعة، وأن تكون جبايته للخراج كما يرسم له، وعليه ترك الابتداع فيما يعاملهم به، والمساواة بينهم في مجلسه ووجهه حتى يكون القريب والبعيد، والشريف والوضيع عنده في الحق سواء، وعليه ترك اتباع الهوى؛ فإن الله ميز من اتقاه وآثر طاعته وأمره على من سواهما " فهو هنا يبين للخليفة الصفات التي ينبغي أن تتوفر في الولاة، كما يرسم المنهج الذي يجب عليهم سلوكه في جباية الخراج متوخين العدل وترك الهوى مع التزام اللين في غير ضعف، والشدة في غير عنف، فإن هذا ادعى إلى طاعة والاستقرار المنشود.
4 ـ تخير الجنود المرافقين للولاة:
لم يكتف " أبو يوسف " بما تقدم من رسم السياسة الواجب اتباعها في تخير الولاة، بل أضاف إلى هذا: الدعوة إلى تخير الجنود والاعوان المرافقين للولاة، حتى لا يستغلوا سلطتهم ويسلبوا الأموال من الرعية معتمدين على ما لهم من جاه عند الولاة، ويقول في هذا الصدد: " ولتصير مع الوالي الذي وليته قوماً من الجند، في أعناقهم بيعة على النصح لك؛ فإن من نصحك ألا تظلم رعيتك، وتأمر بإجراء أرزاقهم عليهم من ديوانهم شهراً بشهر، ولا تجري عليهم من الخراج درهما؛ فإنه قد بلغني أنه قد يكون في حاشية العامل والوالي جماعة، منهم من لهم به حرمة، ومنهم من لهم إليه وسيلة، ليسوا بأبرار ولا صالحين، يستعين بهم، ويوجههم في أعماله، فلا يحفظون ما يوكلون بحفظه، ولا ينصرفون من يعاملونه، وإنما مذهبهم أخذ شئ، من الخراج كان أو من أموال الرعية، ثم إنهم يأخذون ذلك فيما بلغني بالعسف والظلم والتعدي، ثم لا يزال الوالي ومن معه قد نزل بقرية يأخذ اهلها من نزله (1) بما لا يقدرون عليه، ولا يجب عليهم حتى يكلفوا ذلك فيجحف بهم،
*(هوامش)*
(1) النزل ـ بزنة قفل ـ: ما يهيأ للضيف.
