/ صفحه 332/
بهذه النصائح أخذ من حين لآخر يعرض في ثنايا الكتاب هذه الموعظة، ويبين المسئولية الخطيرة التي ناطها الله بعنق الخليفة، فكان يعقب على كل حكم بما يشعر بوجوب تنفيذ أحكام الله، ووجوب العدل بين الرعية.
وربما بدا للوهلة الأولى أن فيما تخلل الكتاب من نصيحة للخليفة نوعا من التكرار لا فائدة من ورائه، ولكن الواقع أن " أبا يوسف " لجأ إلى هذا ـ كما قلنا ـ حتى يتمكن من التأثير على الخليفة، فهو بين الحين والحين يتخوله بالموعظة، ويطرق الباب مرة أخرى، وحسبه في هذا منهج القرآن الكريم في معالجة المشكلات الإنسانية، والقرآن لا يطرق الفكرة مرة واحدة ثم يتركها إلى غير رجعة، وذلك لأنه يخاطب البشر، ومن طبع الإنسان إلا يستجيب منذ الوهلة الأولى، فالقرآن جاري الطبائع الإنسانية فنجح كل النجاح في تقويمها، والحق أن المشكلات التي عالجها القرآن الكريم، وبصفة خاصة ما كان منها خاصاً بالعقيدة كانت في أمس الحاجة إلى التكرار مرة إثر أخرى؛ وذلك لأن الإطاحة بعقيدة وإحلال أخرى محلها من أشق ما يعانيه الدعاة إلى الأديان الجديدة، فالعقائد القديمة قد رسخت ووطدت أركانها، فلابد من زمن لتقويض دعائمها وإقامة صرح الدين الجديد مكانها، وهذا ما فعله القرآن الكريم، فاستجابت له النفوس، ودانت له القلوب.
لهذا كله نستطيع أن نقرر هنا مطمئنين أن الكتاب الذي ألفه " أبو يوسف " للخليفة " هارون الرشيد " لم يكن كتاب قوانين وقواعد تتبع في النظام المالي فحسب، وذلك لما شاع في أنحائه من عنصر النصيحة والارشاد في مواطن متعددة، وقد كان " أبو يوسف " موفقا في هذا كل التوفيق؛ إذ لا فائدة ترجى من كتابه هذا ما لم يعمل به الخليفة، ويخرجه إلى حين التنفيذ، ويطبق ما جاء فيه على الرعية.
وإن لهذا الكتاب قيمة توجيهية، وترجع أهميته إلى ما تضمنه من مبادئ ينبغي اتباعها في سياسة الرعية، وحسبنا أن نجتزئ من هذه المبادئ بما يأتي:
1 ـ الجلوس للنظر في المظالم:
أهاب " أبو يوسف " بالخليفة أن يعدل ويجلس للنظر في المظالم، مبينا له ما للعدل من أثر في تعمير البلاد، وما للظلم من اثر في تدميرها، ويقول في هذا الشأن: