/ صفحه 331/
وأما الآثار فمنها ما روى عن سعيد بن أبي بردة قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى:" أما بعد، فإن اسعد الرعاة عند الله من سعدت به رعيته، وإن أشقى الرعاة من شقيت به رعيته، وإياك أن تزيغ فتزيغ عما لك، فيكون مثلك عند الله مثل البهيمة نظرت إلى خضرة من الأرض فرتعت فيها تبتغي بذلك السمن، وإنما حتفها في السمن، والسلام ".
ثم بين للخليفة أنه لم يدخر وسعاً في بيان ما طلبه منه الخليفة، ورجا منه أن يعمل بما فيه دون أن يظلم مسلماً أو معاهداً، ويتضح هذا من قوله: " وقد كتبت لك ما أمرت به، وشرحته لك وبينته، فتفقهه وتدبره، وردد قراءته حتى تحفظه، فإني قد اجتهدت لك في ذلك، ولم آلك والمسلمين نصحا، ابتغاء وجه الله وثوابه، وخوف عقابه. وإني لأرجو ـ إن عملت بما فيه من البيان ـ أن يوفر الله لك خراجك من غير ظلم مسلم ولا معاهد، ويصلح لك رعيتك؛ فإن صلاحهم بإقامة الحدود عليهم ورفع الظلم عنهم، والتظالم فيما اشتبه من الحقوق عليهم... فوفقك الله لما يرضيه عنك، وأصلح بك، وعلى يديك ".
فهذه النصائح لها أهميتها ودلالتها، فهي من جانب تدل على رحابة صدر الخليفة فلم يتبرم عند سماعها، ولو حدث شئ من هذا لنقل الينا لتوفر الدواعي إلى نقله، وما هذا إلا لما تمتع به العلماء من منزلة سامية لدى الخلفاء، فكانوا منهم بمنزلة القادة والموجهين، وهي من جانب آخر تعطينا صورة صادقة عن مدى حرص " أبي يوسف " على العمل بما جاء في كتابه من سياسة مالية يجب اتباعها في جباية الاموال وتوزيعها، فكأن " أبا يوسف " يقول للخليفة: " هأنذا قد قمت بما فرضه الله على من بيان أحكامه، وتوضيحها، وبقي عليك أنت واجب أشد خطراً وأعمق اثرا، إلا وهو جانب التنفيذ، فإنك صاحب السلطة في البلاد، وإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.
وقد استخدم أبو يوسف في هذه النصيحة عنصر التأثير النفسي عن طريق التكرار والاتيان بالموعظة في ثنايا الكتاب، إذ على الرغم من أنه استهل الكتاب
