/ صفحه 314/
ولكن نظرية أخرى حديثة تزعمها الأستاذ جوسران في فرنسا (1)، ومؤداها أن السبب القصدي لا ينظر إليه في الالتزامات، وإنما ينظر إلى الأغراض التي قصدها الملتزم من التزامه، وهي وإن كانت أغراضا بعيدة إلا أنها هي المنتجة في الالتزامات، ويفصل الأستاذ جوسران هذا الأمر بقوله: قبل أن يتعاقد الإنسان يتنازعه عدة بواعث تختلف باختلاف كل شخص، فالشخص مثلا يرى أن له قريبا فقيراً يستدر الرحمة لأنه بائس، فهذا أحد الدوافع السابقة على أي تصرف، ويسمى جوسران هذا الدافع بالدافع الموجه، وهو يتعلق بالماضي ويختلف باختلاف الاشخاص.
ودافع ثان يكون وقت انعقاد العقد، ويسميه: الباعث القصدي، وهو الغرض القصدي في النظرية السابقة، أو الغرض المباشر الذي يعتبر من مقتضيات العقد ومقاصده الشرعية، وهو طبعا في العقود الملزمة للجانبين الالتزام المقابل، وفي العقود العينية التي لا تتم إلا بالتسليم تكون واقعة التسليم هي السبب المباشر للالتزام بالرد، وفي عقود التبرعات نية التبرع.
والاستاذ جوسران لا يلقي بالا للنوع الأول الخاص بالماضي، ولا بالسبب الثاني الذي يتكون وقت انعقاد العقد، ولكنه يهتم بالنوع الثالث من الأسباب، وهو الغرض النهائي اللاحق على العقد، ويسميه: الباعث الغائي، فهو يرى أن الملتزم ما التزم إلا لتحقيق غاية، وهذه الغاية لا تتحقق إلا بعد انعقاد العقد، فالذي لمس بؤس قريب له كان هذا البؤس سببا سابقا على التعاقد، ولكنه دافع إليه، فيبدأ بالتعاقد بالهبة لهذا القريب، وفي ساعة انعقاد العقد لا يتبلور من الأسباب إلا نية التبرع، وهذه النية سبب مصاحب للعقد، ولكن ما هي الغاية التي ترجى من هذا التبرع؟ هي تحسين حال القريب، وهذا لا يأتي إلا بعد انعقاد العقد، وفي نظر الأستاذ جوسران أنه لا يعتد إلا بهذا الباعث الغائي، وهو في نظره يختلف باختلاف الاشخاص، وهو لاحق على العقد، وهو موجوداً دائما، لأن الناس لا يتعاقدون إلا لغاية، ولا يتخلف عن ذلك إلا مجنون، هو إذن ركن في العقد،
*(هوامش)*
(1) في كتابه " البواعث في الالتزامات المدنية ".
